إذا كان الشعر العامي منسوباً إلى العامة والشعر الشعبي منسوباً إلى الشعب وهو بمعنى العامة فالشعر النبطي لمن ينسب؟ وهذا السؤال سأحاول الإجابة عنه في هذه الأسطر مع أني أرى كثرة الآراء تدل على الاضطراب وإسقاط الإجابة من أصلها، فكل باحث عنده رأي في هذا الموضوع

مما يجعل القراء في حيرة من أمرهم، والقول عندي قبل أن أناقش هذا الموضوع أن يترك المعنى والاشتقاق لفهم الناس وقد قيل في علم اللغة «الأصل في الأسماء عدم التعليل» وإلا فأخبرني لماذا سميت أوزان الشعر عروضاً،

ولماذا سموا الطويل والبسيط والسريع والوافر ولماذا قالوا المسحوب والصخري وغيرها من مسميات الأوزان والألحان والفنون، فهناك من الأسماء ما يعرف اشتقاقه وبداية تسميته، وهناك ما لا يعرف ولا يدرى متى أطلق ولا أصل اشتقاقه،

وانظر إلى اختلافهم في اشتقاق اسم قواعد الإعراب وهو «النحو» فقالوا إن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه علم أبا الأسود الدؤلي بعض قواعد الإعراب مثل الفاعل والفعل والمفعول وقال له«انح هذا النحو» أي ليكن عملك في قواعد العربية مثل هذا فسمي النحو وقيل سمي «نحو» بمعنى» القصد وقيل غير ذلك.

ولكن انظر إلى اسم «الفقه» وهو قواعد الشريعة، حيث لم يختلفوا في أنه يعني الفهم وأنه مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

أول هذه الآراء وأكثرها شيوعاً:

يقولون إن كلمة النبط مشتقة من الاستنباط لأن العامية استنبطت من الفصيح من قولهم استنبط الماء: إذا استخرجه. والشعر العامي وإن كان أصله فصيحاً صادراً عنه، ولكن كيف نستطيع أن نثبت أن هذه التسمية اشتقت من هذه المادة وعلى هذا فاستنباط من يرى هذا القول يحتاج إلى استنباط جديد وبحث.

ومن أين للأعراب إطلاق هذا الاصطلاح على شعرهم الشعبي حتى صار هذا الاصطلاح مشهوراً معروفاً عندهم. وكذلك قالوا «شعر عامي وشعبي» فلماذا لم يقولوا «استنباطي» وقالوا «نبطي» وأرجعوا المادة إلى أصلها والتي تعني نبوع الماء وهذا بعيد لأن النسبة تكون للاسم أو المصطلح نفسه لا إلى أصله.

والداخل في علم الاشتقاق يحتاج إلى معرفة قواعد العربية وأنواع الاشتقاق ودلالات المسميات ومن يريد أن يطلع على زيادة توضيح في علم الاشتقاق فعليه بكتب اللغة. ولا أريد الطعن في فهم أحد بهذا الكلام، ولكن أحب من الإخوة الباحثين أن يتفكروا فيما يكتبونه ويعيدوا النظر فيه عدة مرات قبل إثباته.

ثانيا: يقولون إن النبط منسوب إلى موضع قرب المدينة المنورة قريباً من حوراء، ومنه قول الشاعر:

اسْقِني مِنْ مَاءِ نَبَطْ

لو يكنْ في العمر مرّهْ

وَدِعِ الحَوْرا فإني

أُبْغضُ الحَوْرا وأكْرَهْ

وقد سها الدكتور غسان الحسن حين جعل الماء والموضع مختلفين وهما واحد.

وقولهم هذا على ميزان النسبة جائز ولكن كما قيل:

والدَّعَاوَى مَا لَمْ تُقيموا عَلَيْهَا

بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ

وبإمكان أي باحث أن يفتح معجم البلدان ويبحث عن كلمة اسم موضع ويقول من هذا اشتق اسم هذا الفن كأن يقول هناك موضع في نجد يسمى «شِعْر» ومنه أخذ مسمى الشِّعْر، أو يقول كما قال بعض العلماء في أن الخليل سمّى مقياس أوزان الشعر بالعروض لأنه كتبه في العروض وهي الحجاز وهكذا قس هذه المسألة. ولو كان الأمر كذلك لقال من شاء ما شاء وهذا تخبط لا يليق بدارس ولا بباحث أن يتعلق به.

وَأَيُّ قَولٍ جَا بلا دليل

فهو خَبْطٌ من خِباطِ الليلِ

ثالثاً:

أن الشعر النبطي منسوب إلى الأنباط وهم جيل من العرب قديم استقروا في منطقة الهلال الخصيب بين القرن الثاني (ق. م) والقرن السادس الميلادي، حاربهم الروم سنة (312م) فتغلبوا عليهم فنزلوا حوران وزادت شوكتهم ثم غزاهم تراجان الروماني فأخضعهم وكسر شوكتهم ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك واختلطوا بأهل البلاد من السريانيين والآراميين وانتشروا على حدود سوريا وفلسطين

مما يلي البادية بين سيناء والفرات. والغريب في هذا الموضوع أن أحد الباحثين وصل إلى استنتاج غريب وهو أن الأنباط هؤلاء هم أول المتكلمين بالعامية ولهذا نسب النبط إليهم ثم بعد ذلك تطورت اللغة وصارت فصيحة بتقادم الزمن وهذا ما لا يحتاج إلى إبطاله مقال بل هو مبطل نفسه بنفسه:

فَدَعْ عَنْك نَهْباً صيحَ في حَجَرَاتِهِ

ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرَّواحِلِ

رابع هذه الآراء:

وهو أن العرب لما تغيرت ألسنتهم واختلطت بألسن الأعاجم بدأوا يسمون من يتكلم بهذه اللهجة «نبطي» أي أنه عجمي كما نقول نحن في لهجتنا العامية كل من يكسر في اللغة ولو كان عربياً «عيمي» أي عجمي، وكان من يعمل في الفلاحة والزراعة من أهل السواد يسمى عندهم «نبطي» لأن حرفة النبط الحراثة وقد جاء ذكرهم كثيراً في كتب الأخبار والآداب وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسأل النبط عن بعض أنواع البقول وأجناسها ليستفيد منهم في أحكام الزكاة.

وهؤلاء النبط لما فتحت البلدان ومصرت الأمصار لم يتركوا بلادهم وبقوا فيها وتعلموا العربية ولكن بلهجتهم ولكنتهم فخربوها وكسروها، ألا ترى إلى قول عطاء السندي وكان يعرف العربية إلا أن لكنته طاغية عليه وقد قال له أحد الظرفاء يريد أن يضحك عليه:

فما اسم حديدة في رأس رمح

فويق النصل ليست بالسنان

فقال:

هو الزز الذي إن بات يوماً

بصدرك لم تزل لك أولتان

فقال:

فما صفراء تدعى أم عوف

كأن رجيليتها منجلان

فقال عطاء:

أنيت زرادة وأدن دناً

بأنك ما أنيت سوى لساني

الزز: الزج، أولتان: عولتان، زرادة: جرادة، أدن دناً: أظن ظناً، أنيت: عنيت.

وهذا مثال على لهجتهم ولكنتهم وهم وإن تعلموا العربية فلكنتهم باقية لا يستطيعون غيرها وهم كذلك لا يميزون بين المؤنث والمذكر. وكان العرب يسمون الأعاجم نبطاً ومن لا يقيم لسانه كذلك، وقد سأل ابن القرية عن أهل عمان وأهل البحرين فقال «أهل عمان عرب استنبطوا وأهل البحرين نبيط استعربوا» وكل ذي لكنة عندهم نبطي ورحم الله شيخ المعرة إذ يقول:

أين امرؤ القيس والعذارى

إذ مال من تحته الغبيط

استنبط العرب في الموامي

بعدك واستعرب النبيط

وعلى هذا يكون الرأي الراجح في هذه المعضلة الاشتقاقية!! أن العرب أطلقوا على شعر العامة اسم العشر النبطي لأنهم احتقروه ورموه بادي ذي بدأة بالعجمة والرطانة ولكن مع الأيام وتغير الألسنة، وفساد لسان مضر صار أدباً وشعراً رفيعاً تقال فيه الأشعار الجميلة، وأنا وإن قلته فإني على شك من هذا الرأي.وقد رأى هذا الرأي الأديب الكبير عبدالله بن محمد بن خميس في كتابه النفيس «الأدب الشعبي في جزيرة العرب».