بعد وفاة السيد تركي بن سعيد البوسعيدي سلطان عمان سنة 1888م بعد حكم دام 17 عاماً خلفه ابنه السيد فيصل وكان أوسط اخوته سناً إذ يكبره أخوه محمد من أم أخرى وأما فهد فهو شقيقه وأصغر منه، وكل من الثلاثة عمل والياً أثناء حياة أبيه وكلهم خبر الحياة العملية ومارسها ولكن محمد لم يكن مؤهلاً لخلافة أبيه لذا وقع الاختيار على السيد فيصل لخلافة أبيه.
ولد السيد فيصل سنة 1858م وكعادة السادة ال بو سعيد ينشأ الولد فيهم نشأة أدبية فيتعلم الأدب ومحاسن الأخلاق ويروي الشعر ويدرب على الفروسية والسياسة. وكان السيد فيصل قد أخذ قسطاً وافراً من العلم والأدب وحفظ الشعر وتدرب في حياة أبيه على تدبير الأمور وسياسة الناس. وفي سنة 1881م تزوج من ابنة عمه بنت ثويني بن سعيد الذي توفي سنة 1866 في صحار.
تولى السيد فيصل حكم عمان وأيده أخوه الأصغر فهد ولم يعترض أخوه محمد لتيقنه من كفاءة أخيه السيد فيصل. وقد قام معظم شيوخ القبائل بمباركة تعيينه سلطاناً لعمان ولم تحدث أي اضطرابات وساد السلم مباشرة بعد توليه وكان عمره آنذاك 23 سنة.
حاول في أول حكمه استرجاع قلعة وقعت في يد إبراهيم بن قيس وهي قلعة تقع في رستاق واستولى عليها إبراهيم في 2 سبتمبر 1888 ولكن بسبب ظروف خطيرة وصعبة لم يستطع السيد فيصل من استرجاعها وتركها لوقت آخر فهناك أمور أهم منها في ذلك الوقت.
وقد وقع كثير من الفتن والحروب خلال مدة حكمه بين القبائل الهناوية والغافرية استطاع بحكمته أن يعالجها ويرجعها إلى وضعها الطبيعي. وقع السيد فيصل معاهدة للصداقة والتجارة والملاحة مع بريطانيا سنة 1891.
وفي سنة 1895 استطاع أحد الثوار الاستيلاء على مسقط وكان ذلك غدرا حيث أنهم أظهروا بأنهم قدموا للسلام على السلطان فأرسل لهم كثيراً من الهدايا والمبالغ المالية ولكنهم خانوا العهد واستولوا على القصر واستطاع السلطان أن يحتمي منهم في قلعة الجلالي ثم استطاع بحكمته أن يعود ويخرج الثوار من مسقط في 10 مارس من نفس السنة.
اتخذ السلطان إجراءات جديدة لتعزيز دفاعات مسقط ومطرح فأمر بتثبيت المدافع ونظم الأمور الأمنية وأعاد تشكيل جيوشه للحفاظ على أمن بلاده. في سنة 1903 وجهت دعوة إلى السلطان لحضور مهرجان التتويج بدلهي في يناير فأناب ابنه السيد تيمور يرافقه يوسف الزواوي أحد أصدقاء السلطان ومستشاريه ومعه أخرون وكانت هذه الدعوة بمثابة تحسين للعلاقات مع سلطان عمان لأنها في ذلك الوقت كانت العلاقات مع بريطانيا ليست على ما يرام.
زيارة اللورد كيرزون 1903:
وفي نفس السنة زار اللورد كيرزون نائب الملك في الهند مسقط حيث وصلت سفينته (هاردينج) من سفن البحرية الملكية في 18 من شهر نوفمبر وبعد زيارة السيد فيصل له في سفينته مع ابنه السيد تيمور وأخيه محمد قام اللورد بزيارة السلطان في قصره وسار اللورد حتى وصل إلى قاعة «البرزة» وهي قاعة للاجتماعات في القصر مستطيلة تشرف على البحر.
ويوجد في أحد أطرافها منصة مرتفعة فجلس عليها هو ومضيفه السيد فيصل. وبعد إلقاء الخطب والقصائد بهذه المناسبة غادر اللورد مسقط متجهاً إلى الشارقة. يقول العقيلي عن هذه الزيارة: «فحضرت
وقد أهدى إليه اللورد كيرزون نجمة الهند ووشاحاً أخضر أمرني المرحوم بالنظر إليهما وعندها قال ما تقول «يا عقيلي» وكان في الجمع قبل وصولي شعراء خمسة الخليلي وابن زهران والمر بن علقم والشيخ محمد بن شيخان والشيخ سعيد بن مسلم فظننت أنهم قد أجابوا السيد لما قال فقلت هذه القصيدة:
تصوير معناك لم تدركه أفكار
وفي قياس علاك العقل يحتار
وبعدما كملت سبعة عشر بيتاً وقعت على الأرض».
هذا وكان السيد محباً للأدب والعلماء مقرباً لهم فنرى العلماء والشعراء وأهل الفكر دائماً في مجلسه ويسافرون معه إذا سافر وقد كان يطلب منهم قول الشعر ويحب أن يسمع منهم ويسألهم فيه. وأخيرا هذا العلم من أعلام الخليج جمع خصالا كثيرة من الحلم والجود والعلم مع شدة البأس وقوة العزيمة ، هذا هو السيد فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي سلطان عمان .
ولولا أنه وقعت في زمن ولايته كثير من الاحداث والثورات فقد أخمدها بحكمته وثبت سلطانه على البلاد العمانية ، ووقع مع الانجليز والفرنسيين عدة اتفاقيات تجارية وعسكرية ولكن في النهاية بقي الانجليز وحدهم وخرج الفرنسيون منها .
كان للسلطان فيصل علاقات طيبة مع زايد بن خليفة آل نهيان حاكم أبو ظبي والشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم حاكم دبي ومن بعده الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم رحمهم الله جميعا ، وقد قام السلطان بعدة زيارات لأبوظبي ودبي ، واحتفى به الشيوخ كثيرا خاصة الشيخ مكتوم بن حشر ، ولهذه المناسبة أنشد العقيلي ـ وكان من عمال السيد فيصل ـ قصيدته المشهورة التي مطلعها :
أنشرُ ربيع أم صبا الوصل هبت
وهذي شموسٌ أم وجوهُ الاحبّةِ
وكان يقرب أهل العلم والادب ويكرمهم أمثال ابن شيخان والخليلي وابن مسلم وغيرهم ، وتولى الحكم من بعده السلطان تيمور .
