قبل عامين كان أهم ما يشغله هو تفريغ تلك الصور الجامحة التي تطارده في مخيلته على خشبة مسرح تتسع كثيرا للمشاكسة، يتابع جيدا حركة المسرح المحلي، يتحدث عنها كثيرا، ينتقدها بكثير من الوعي المؤسس على المطالعة والمتابعة، وكان له ان قدم المسرحية المحلية الأولى له «مواويل» من خلال ورشة مسرحية نظمها مجلس دبي الثقافي لعدد من المخرجين الهواة ومجموعة من الممثلين الشباب.
انعكست التجربة بشيء من التفاؤل بعد تحقيق مركز متقدم في مسابقة الورشة وإشادة عدد من المسرحيين بالتجربة مما جعل مسرح دبي للفنون وهو مسرح تابع لهيئة الشباب والفنون لاستقدامه كمخرج مشارك في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، مع نص «القصيدة الأخيرة» وكان يحمل مغامرة كبيرة، معدة عن مسرحية الكاتب العالمي شكسبير «روميو وجوليت» ومع عدد كبير من الممثلين والمجاميع، ومنها كرس سالم باليوحة المخرج المندفع بحماسة تلك الصور الجامحة والحديث عن تقنيات المسرح وتجذير موضوعاتها في صلب المحلية والتراث الشعبي.
اما هذه المرة فان سالم باليوحة يتكئ من جديد على تجربته الثالثة في نص من فكرته ومن تأليف الكاتب المسرحي سالم الحتاوي بعنوان «الخلخال» مع ممثلين هما مروان عبدالله صالح الشاب الذي صعد بسرعة قصوى إلى منصات التتويج في العديد من المهرجانات، ومع ممثلة شابة جديدة هي آمنة السويدي.. والعمل الجديد تم ترشيحه للمشاركة في مهرجان مسرح الشباب لدول مجلس التعاون الخليجية في العاصمة القطرية الدوحة.
يضع سالم باليوحة المخرج نفسه في هذا العمل أمام منافسة على مستوى المنطقة بعمله «الخلخال» وهو عمل ينتمي إلى مسرح الحالة نسج فيه على منواله الذي أحبه.. الأغاني والأهازيج الشعبية واعتبار المشهدية البصرية كركيزة للتفاعل من خلال التكوينات والديكور المختزل والغوص عميقا مع الممثلين في حالات نفسية متوازية ومتقاطعة.. شخصيتان تبحثان عن حبهما القاتل والماضي الذي يتركز كنصل سكين. في علاقة رجل شاعر براقصة تسير بخلخالها في طرقات وعرة وحياة مليئة بالعثرات.. حالة يستغرق عرضها 45 دقيقة هي تداعيات لذاكرة الشاعر الذي سكنه الكلام العذب والحب المكنوز بالوجع.
المخرج والمسرحي ناجي الحاي له مشاركة فاعلة في دعم هذا المخرج الشاب الذي يطرح نفسه على الساحة المسرحية المحلية من خلال توليه مهمة الإشراف على العمل وسكب خبرته امام تلميذ مشاكس وجامح، اما الموسيقى والملحن محمد مال الله والذي اشترك كثيرا في صياغة المؤثرات الموسيقية التي لها علاقة بالفلكلور الغنائي الشعبي مع ناجي الحاي، فانه أيضا يشترك كطرف في عمل الخلخال من للغرض ذاته.
يقول سالم باليوحة: لا أريد ان أقول جوابا خالصا لمتلقي عمل الخلخال، إنها حالة إنسانية، لها علاقة بسيرة الحب التي تبدأ ثم تصل إلى علاقة الارتباط ثم القطع التام. ويضيف: هناك مساحة قبل إلقاء الإجابة على المتفرج هي مناسبة لحرية اختياره وتفاعله مع العمل المسرحي..أحاول هنا ان استثمرها واجعل هذا المتلقي مشاركا. أيضا في التوقع. يوظف باليوحة كثيراً من الشعر الذي شاع في الأغنيات الشعبية وكتابها كالشاعر الجمري وغيره من شعراء جيله.. ويصر على خصوصية اللهجة المحلية التي يرى فيها أبعادا جمالية عالية، وشعرية لذيذة وخيال متقد.
وعلى خشبة مسرح دبي الشعبي يواصل منذ أيام التشطيبات النهائية على مفردات عمله المسرحي الجديد بكدح كبير وانشغال بالتفاصيل. هناك سرير مغطى بالستائر البيضاء الشفافة، وآلة دف.. ووسادة صغيرة على الطرف الآخر.. وفي عمق خشبة المسرح باب صغير تخرج منه عباءة سوداء ترتفع كخيمة.
وبين متناقضات هذه الألوان.. بين دلالات العباءة الكبيرة وانكشافات ستائر السرير تتحول الجملة اللحنية التي صاغها من خصوصية المكان وتغريبته.. صراع حب بين شاعر وامرأة يكتب خلخالها سطورا من عذابات على خط سيرها.. امتحان صعب لحب خلق ليموت وتبقى ذكراه متبخرة في الفضاء المكاني.
دبي ـ مرعي الحليان
