شعر: هذه الحروف الثلاثة.. ماذا تعني لغويا.. وماذا تحمل من معان وكيف لها أن تغير منهج وحياة من تسكن بين ضلوعه وتخيم على أحاسيسه حتى قبل أن يعي أو يشعر بوجودها وكأني بها تهيئ وتحضر من يقع عليه الاختيار، أن يكون شخصاً مختلفا متميزا عن الآخرين، مهيأ لاحتضان هذه الحروف أو قل هذه الملكة جاهزاً ليكون باختصار «شاعر».

خطرت على بالي هذه المقدمة وأنا استرجع بداياتي مع الشعر وأتذكر مرحلة ما قبل الكتابة والتغيير المفاجئ والغريب الذي طرأ على سلوكيات حياتي من مغازلة الهدوء الدافع إلى شبه عزله والاستمتاع بالخيال اللامتناهي إلى الحساسية المفرطه في بعض الأحيان من زعل ورضى وغضب وهدوء وصمت كان يخفي ثورة كامنة تنتظر دافع الانفجار.

بدأت الكتابة

لم أكن أشعر بأنها مختلفة، أو قل لم أكن أعلم أنها البدايات، فقد تصورت بأنها خواطر تدفعها أحاسيس مرهفة تنساق خلف أحلام المراهقة تتراقص في موسيقى لم أتخيل أنها الوزن وتقف عند حدود متشابهه الحروف، لم أرسم لها أن تكون القافية، وبالتالي كانت لدى القناعة بأنه يمكن لأي مراهق حالم أن يقوم بكتابة ما كنت أكتب، بصراحة وفي ذلك الحين لم يكن في مخيلتي أنني قد وضعت أولى خطواتي على شواطئ ما يسمى الشعر.

الإحساس بالتميز.. شعور جميل يدفع من يعيشه للإبداع الذي بدوره يؤكد هذا التميز ويبقيه متوهجاً وكأنه شعور المنتصر.. نصر الاختلاف، الاختلاف المرغوب والمحبب والمجد لدى الآخرين.

اعتراني هذا ا لشعور وأنا أجد المحيطين بيّ تغمرهم الفرحة وألمح في عيونهم نظرات تباهى وسعادة، أجواء ذكرتني بقدوم المولود الجديد والذي في حالتي أطلق عليه إسم الشاعر، وبرغم ذلك كان الارتباك والإحساس بالقلق والخوف من المواجهة يلفني كلما نوديت بهذا الاسم لإدراكي لمدى ما يحمله هذا الاسم من تبعات وعلى رأسها إثبات الوجود بين من يحملونه ( الشعراء).

انطلقت في عالمي الجديد أتلمس طريقي بحرص، أو بتعبير أدق بخوف دفعني للتمهل في نشر كتاباتي حتى لأقرب المقربين مني، وعيوني ترصد في تلك الفترة ما ينشر على الساحة محاولاً أن أجد مكاني بين تلك الأقلام، وفي الحقيقة وبدون مبالغة وفي أغلب الأحيان كنت أجد نفسي مختلفاً ودفعني خوفي للتساؤل عن هذا الاختلاف أهو اختلاف إبداع،

أو اختلاف إخفاق. وهنا وكان لابد من طرق باب الانتشار ويجب أن يكون باباً واسعاً يصل بي إلى أكبر شريحة من الجمهور، الجمهور الذي سيرد على تساؤلي «إبداع أو إخفاق» وكان ذلك الباب صفحة الشعر الشعبي بجريدة «البيان» الصفحة التي كانت تعج بأكبر الأسماء في حينه.

وصلت كتاباتي وأوصلتني إلى أبعد مما كنت أتوقع وبدأت الرهبة تتلاشى تدريجيا كلما تواردت إلى مسمعي كلمات الإطراء والاستحسان وحل محلها نشوة النجاح الذي دفعني للمواصلة بنفس الأسلوب، ترجمة المشاعر والأحاسيس بلغة سهلة تخرج من قلب محب لتعانق قلب محب.

ولأن الكتابة كانت مشاعر كان التوقف مشاعر

بعد رغد التمتع بالشعر وأدواته الجميلة وجدت نفسي عاجزاً عن لملمة الحروف وترجمة الشعور كانت هزة التوقف قوية، وبالتالي كنت في حاجة إلى هزة أقوى تعيد لي ما فقدته من حس الكتابة، بل قل إن هذا التصور هو الذي هيمن علي، فكانت عودتي وبدون مبالغة مفاجأة لي شخصياً بالدرجة الأولى، إذ لم أكن أتوقع العودة نهائياً،

وخصوصاً بالطريقة التي عدت بها للكتابة، فقد كانت العودة بطلب أقرب إلى الأمر، لم يعطيني الفرصة للتهرب، لم يقبل حتى أن يستمع لأسباب أو معاذير، فوجدت نفسي أمام أمر واقع، فأما الكتابة أو الكتابة، فكانت الكتابة التي غمرتني بالسعادة قبل أن تسعد من أمر بها.

للوهلة الأولى شعرت بأني لا أملك الوقت الكافي لكتابة ما أنهال علي من وحى الكلمة وكأنه مشتاق لمشتاق، وحى مرهق لا يأبه، ليل نهار، عمل راحة حقيقة لا يعلمها إلا من عايشها، إنه فعلاً متسلط لا يمكن تجاهله لأنه المنقذ المنتظر.

فمجرد أن تثور الأحاسيس لمرورها بالتجارب عليك بالترقب، فالوحي قادم في أي لحظة، ومن هنا تبدأ الرحلة، رحلة المعاناة، قد تمتد لأيام أو في بعض الأحيان سويعات، وذلك اعتماداً على قوة التجربة، وفي تصوري أنه من خلال هذه المعاناة سميت كتابة القصيدة بالولادة، لأنها فعلاً ولادة.

أحيانا كثيرة كنت أتساءل عن هذا الذي يأتيني بالأبيات تباعاً، يهاتفني، يقض مضجعي وأنا مستغرق في النوم، أو يقطع على برنامج عمل، أو يغيبني وأنا برفقة الآخرين، في الحقيقة وبدون مبالغة بل أكاد أجزم بأني أسمع صوته يرن في أذني بأبيات تتسارع أقفز لكتابتها خوف هروبها، أحياناً تتوارى تاركة وراءها أفكاراً وصوراً وخيالات،

تصبح أرضاً خصبة مهيأة لصياغة القصيدة، ولكن في الغالب العام يكون الوحي قد أنجز مهمته في توجيهي للكتابة بأن أختار القافية والبحر والوزن وحتى الموضوع، وفي ذروة النشوة يكون قد كتب القصيدة.

بعد سنوات من التوقف أحسست بأنني أبدأ من جديد وكما بدأت متخفياً متوارياً عن الأنظار والأسماع وجدتني أعيد بداياتي الأولى مرة ثانية فلا انتشار ولا مشاركة حتى في أضيق الحدود، فكانت القصائد تلتصق بدفاتري وإن ابتعدت قليلاً تجمدت في جيوب ملابس.

فجأة وبلا مقدمات وجدت نفسي في مواجهة الجمهور، جمهور مختلف ووسائل ظهور وانتشار مختلفة، بالمختصر المفيد أجواء مختلفة حقيقة أشعرتني بالغربة، فبالكاد يعرفني القلة، أما السواد الأعظم فلم يسمع بي قط !!!! فأحسست بالذنب في حق مشاعري وكلمتي وقلمي الذي حزن ليّ فأبكاني، أشفقت على كل هؤلاء وعلى رأسهم نفسي،

شعرت بأني وضعتهم في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، وأخذت أفكر ولا أزال، هل فعلاً أنتمي لهذه الساحة؟ لهذه الغالبية العظمي من المتصارعين المتكالبين على شيء واحد اسمه الشهرة، لا يهم كيف ولا أين ولا متى المهم الشهرة، بأي شكل من الإشكال.

البعض يصبح نجماً بأمواله، والآخر عبر الرسائل القصيرة، ومنهم من يصل بدعم القبلية المتعصبة. فئة تفتقر أغلبها إلى ثقافة التهذيب والرقي، هبطت بالشعر المسكين، جنت عليه، جعلته سلعة يصنع، يباع ويشترى، تنازلت فسقطت، إلا من رحم ربي.. وهم قلة.

تخيلت نفسي وأنا وسط هذا الجو الخانق، وكأصحاب الكهف مع فارق التشبيه، فأصحاب الكهف غيبوا لفترة طويلة من الزمن في سبات عميق، وعندما استفاقوا بأمر ربهم، خرج أحدهم ليستطلع الأمور، وليأتي بالطعام للآخرين، فذهل من الخارج وأذهل أهله......

ومن رحمة الله به أنه عاد إلى الكهف ولم يخرج مرة أخرى. أما أنا فخرجت من الكهف ولم أعد إليه ولم يلحظني إلا نفر من المؤمنين الذين قرأوا التساؤل في عيني.التساؤل الذي ولد معي اختلاف إبداع أو إخفاق.

حسين علي لوتاه

Lotahlaw@hotmail.com