بيروت في ذلك المساء وفي شارع الحمراء تحديدا، كانت أشبه بالأم التي تترقب عند ناصية الشارع ابنها الذي لا يعود دوما، ومع ذلك تصدق عودته وتبقى منتظرة، موعد اجتماع الأطياف لتحديد نقطة فاصلة في الأيام الثقيلة التي تمر عليها.
قال صاحب التاكسي الذي اقلني من مطار رفيق الحريري «قالوا بيجتمعوا بكرة..بلكي يحلوها ويجينا رئيس ونخلص..البلد بده يعيش وكفى بقا..هدول الناس شو خصهم بدهم يأكلوا ويشربوا ويعلموا أولادهم.. ومصلحتنا مع السياحة.
فيه سياحة بنشتغل ما فيه سياحة ما في شغل..» عيني راحت تقرأ تفاصيل الشارع، هناك أكثر من متراس.. ومن نقطة حراسة.. بقايا تاريخ الرصاص وجراح بيروت مطبوعة على جدران الأبنية القديمة..
في مساء شارع الحمراء كان علي ان أسير في الطريق، فقط لتحسس هذا الليل البيروتي الآيل كما يقولون والمفتوح على كل الصدف أفضلها مفجع.. تقرأ عيني لافتة بالصدفة.. هي كذلك..مسرح بابل..«نساء ساكسفون.. إخراج جواد الأسدي.
طار شيء في الصدر يشبه الفرحة..هذا المساء الأخير في بيروت في زيارتي السريعة..هذا هو مسرح بابل.. محطة المخرج العراقي جواد الأسدي الذي قرأت عن خطوته الجريئة لتأسيسه في مدينة يرجها الوجع والموت من تحتها. هنا استقر كما صرح في أكثر من مقابلة صحافية..
جواد موجود؟..نعم انا ابن أخته.. تفضل تريد شي؟ لا أنا اعرفه وهو يعرفني..سيطير فرحا لو رآني..من حضرتك؟ انا تلميذ من تلامذته. عملت معه في مسرحية «مندلي» و«ليالي احمد بن ماجد»..ايه قلي عن هذا العرض.. قدمه في الإمارات صحيح؟ نعم..أين هو الآن؟
عفواً ان تعرف طقوس الدكتور عندما يكون في التدريب..تفضل انتظر وسأتحين الفرصة لكي تقابله،، هذا هو مسرحه أخيراً..يا الهي يبدو انه تكلف كثيراً من المال؟ من أين لجواد الأسدي كل هذا المال؟ هل باع بيته؟
لن تتخيل كيف كان هذا المسرح وكيف تحول..كان في السابق صالة للعروض السينمائية..جميل ان يحول جواد الأسدي هذا المكان إلى مركز ثقافي..انه أكثر من قاعة عروض مسرحية..انتظر سأريك شيئا..
فتح لي غرفة مليئة باللوحات الزيتية..كلها لنساء في ادعاءات سيمفونية راعية..انها لوحات التشكيلي جبران علوان أعدها خصيصا لعرض مسرحية جواد القادمة «نساء ساكسفون»..
في لقاء صحافي قرأته عبر الانترنت للمخرج العراقي جواد الأسدي الذي عاش مغتربا بين عواصم عربية وغربية كثيرة.. يسكن أحلامه، حاملا نظارة القراءة في حقيبته السوداء وأوراقا هي مسودات لقصائد نثر ومسرحيات..
ومن خشبة مسرح إلى خشبة أخرى يحرث فوقها في تجاويف ممثليه بحثا عن جوهرة الشعور والأداء الصادق.. صرح قائلا عن اختياره بيروت المدينة المسكونة بالقلق وباليوم التالي الذي لا يمكن تنبؤ حالة استقراره من عدمها:
«عبر عروض كثيرة قدمتها في بيروت أعطتني المدينة الوجه الأكثر جمالاً والأكثر شفافية خاصة بعد مسرحية الاغتصاب لسعدالله ونوس، وتقاسيم على العنبر لتشيخوف، و«الخادمتان» لجان جينيه والمصطبة لي. مع هذه الأعمال كنت أشعر أن الجمهور والحياة مختلفان،
وثقافة الصحف والشعراء والأدباء والكتاب جميعهم كانت لهم نبرة مختلفة، سأقدم لهذه المدينة كل ما عندي، وإذا مشت نحو الحرب أو الانكسار، سأكون فيها. وإذا نفضت عن كتفها الغبار، وتخلّصت من رائحة الموت الكريهة ومشت إلى ثقافة الحياة، سأكون مشاركاً أساسياً في هذه الثقافة».
بعد سقوط بغداد..عاد جواد الأسدي إليها ليتلمس جراحها ويشم رائحة امه ويبحث عما تبقى من تفاصيله هناك..لكن لا شيء سوى الموت والبارود الأسود وغبار اليورنايم المنضب ورصاص وانفجارات ما زالت تعيش عرس الدم..حاول ان يحيي منصة مسرحه لعل بغداد وبابل تنهضان من الموت..
ثم عاد وحمل حقائبة المجهزة دوما للاغتراب.. ولكن هذه المرة إلى بيروت التي استفاقت توها من اجتياح حرب لتستريح على برميل من بارود الخلافات بين اهلها..الى اين أنت ذاهب؟ سؤال لا تستقبله الاذن حينما يكون الرحيل إلى الاستقرار..
فتح باب صالة المتفرجين قليلا.. هدوء تام .. الأسدي حينما يشرح حالات الاستغراق في تجسيد تفاصيل الحالات ومراراتها الإنسانية يخفت صوته ليصل حد الهمس.. هناك فوق خشبة مسرح بابل. المكان الذي يمتلكه جواد الآن في شارع الحمراء.. مجموعة من الممثلين نساء ورجال ينصتون للالتقاطات العميقة..
اتركه قليلا انه منهمك في الشرح..طال الانتظار. وفي مكتب السكرتارية ستكون رحلة جديدة مع ابن أخته الذي حدثني بفرح كبير عن نجاح الاماسي الرمضانية التي افتتح بها جواد الأسدي مسرح بابل وسط حضور نخبوي من مبدعي بيروت وعقولها الكبيرة..
فتحت الباب دلفت إلى قاعة المسرح.. جواد أعطى إجازة للممثليه بعد ان أنهكهم، قد مروا من أمامي وهم يصعدون السلم، ما أجمل لحظة الخلاص من البروفه..العودة من شخصية المؤلف إلى الشخصية الحقيقية فيها بعض عناء..جواد يعدل نظارته لكي يتمكن من رؤية هذا الغريب الذي يدلف اليه في هذه الساعة الخاصة من الوقت..أنت، يا الهي ولك اشجابك؟ وكيف جيت؟ من وين طلعت؟ عناق حار..احر من باطن الارض المنصهر.
في مكتبه..قلت له أصبحت برجوازياً يا أستاذ. لك مكتب كبير وفخم..من اين لك بالمال؟..قال: هل تصدق إنني لم اجلس إلى مكتبي، لا اعرف الجلوس على مكاتب من هذا النوع؟ أنت تعرف ذلك؟ أخشى ان يزورني ضيف كبير بالصدفة..أليس كذلك؟
حدثني كثيرا عن أحلامه.. وعن الخشبة وكراسي المتفرجين، وعن تحويل المكان إلى ما هو عليه، عن اختياره لاسم بابل، عن أمله أن يزوره كل الذين عرفهم في حياته في هذا المكان..«جيب ناجي واحمد الأنصاري وتعالوا»..هذا مكان جميل للتدريب والورش..شفت الجدار العجيب فوق خشبة المسرح..أحب هذا الجدار الأسود..
جواد..فاز بجائزة مسقط عن كتبه القيمة التي ألفها في المسرح وبقيمة الجائزة وثمن بيته الذي باعه..انشأ مسرح بابل في شارع الحمراء..الشارع الذي اعتاد ان يصحو ناسه وعشاقه على مفاجآت مصيرية دائمة كما هي عادة بيروت..
لكن الأسدي.. هذا الحصان المسرحي العربي الأصيل..يصر على ان المسرح قادر على كبح جماح الحرب وتطويعها وتدريبها على منصة المسرح..ودعته.. وعدت ارتب حقيبة السفر..اذا هنا استقر واحد من أهم اساتذة المسرح العربي..حينما اقنعته بيروت انها النقطة الحرة للحوار والفكر..
مرعي الحليان
