احتفت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية مساء أول من أمس، بالشاعر الفلسطيني سميح القاسم، حيث تمت دعوته لإلقاء بعض من قصائده، فيما قدم عبدالإله عبدالقادر الشاعر، واصفا إياه، بالمواكب والمناضل لقضية شعبه، وقام القاسم بدوره بإلقاء قصائد عدة منها: «قلب سايكو»، و«كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه».

يذكرنا القاسم اليوم بالشتات العربي، فكل قصة تصادفه تشكل قصيدة، وما هذه المطولات الشعرية عنده تقوم على التداعي، ولا تقوم على وحدة الشكل، فهي تعدد الإيقاعات، والأشكال مع تشعبات واستطرادات كثيرة في الشكل والمضمون، وفي الصور. قد يكون الملل يسكن قاسم، ويحب المغامرة الفنية معه، ويمارسه على مزاجه.

ومن البديهي أن يلتقي في تجربته الشعرية المناخ الكلاسيكي بالمناخ الواقعي الاشتراكي، ففي قصائده نقرأ خطاباً حماسياً، يحاول الشاعر أن يستوعب حدث التشرذم لقضيته من خلال إخضاعه لحالة التصادم، ما وفر لقاسم في خطابه حسا ثوريا، حرص أن يكون على نبض الانتفاضة من حيث قوة الموقف، وسرعة الحركة حتى يصل الخطاب معه إلى حدود التماس مع قضية شعب كان ولم يزل يعاني حتى اليوم.

كان القاسم ولم يزل يصف الواقع العربي بشفافية، يتحدث معه عن التردي الذي أحاط به كإنسان ينتمي إلى فلسطين، وفي حديثه عن الألم يحاول أن يسحب بسرية الغطاء عنه ليكشف عورته أمام حالة انكساره. وهو إذ يسلك هذا الاتجاه الذي يتناول فيه مظاهر الهزيمة في واقعه يقدم مظهراً للحالة الفلسطينية ليثير ما يستطيع إثارته من مشاعر التعاطف، والتفاعل مع قضيته.

إن نتاج سميح القاسم الشعري هو ثمرة جهدٍ، فالشعر عنده هو نقل للحالة الذاتية، أو لما يعانيه، والمروي عنده نقد مباشر لما سيكون من منظور نقدي بحت، والقصيدة معه تصبح تساؤلاً حول جدوى الكتابة. يخاطب القاسم الوقت من منحى آخر، ولا يجد ملاذاً من تفصيله حسب ما يراه مناسبا وفق هواجسه، وإذا أردنا اليوم أن نوجز في تناول تجربة الشاعر، نستطيع القول انه شاعر المقاومة الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، ونصوصه بقيت حتى اليوم تعكس هذا الانكسار الذي لا ينهض أبداً من كبوته.

ثمة خط سري كحبل الصرة يوصل القصائد فيما بينها رابطاً إياها، بتعابير، تتفاوت في ترادفها اللغوي، ولكن يبقى هاجس الحرية، والعدل الإنساني عنده يشتبك، ويتمحور بالسياسي الوجداني، ويربط الشك باليقين، وهذه سمة تجربة الشاعر المشبع بالدراما، وهي عنصر جوهري في العمل الشعري، ما يوفر التواصل الحميم بين قصيدته والجمهور، ومع المشاركة تلك ينجم ما يجوز تسميته بالتماهي بين ذات الشاعر والآخر، ولذا تبدو ردود الفعل على القصيدة معه حالة تماه إنساني، وجداني يتشكل بينه وبين عدد كبير من المتلقين.

دبي ـ سامي نيال