يبدو أنه من المفيد في قراءة هذه القصيدة ـ الكتاب ـ للشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، أن نبدأ من العنوان باعتباره أيقوناً دلالياً يتأسس على ثنائية الخروج والدخول؛ بما هي طقسية قديمة لها فلسفتها الخاصة وأبعادها الرمزية من جهة، وبما هي انتقال مكاني تمّ تحديده في مطلع القصيدة: ماليزيا 9/7/2004 - 12/7/2004.

حيث يتّضح للقارئ أن ثمة رحلة قام بها الشاعر من بلده الإمارات نحو ماليزيا دامت أياماً محدودة، ولكنها رغم محدوديتها ألهمته كتابة هذا النصّ الطويل. فكيف تمّ ذلك؟ وما علاقة هذا بالخروج من الحبّ والدخول وإليه؟ سيما وأن الرحلة كانت بمثابة رحلة استجمام سياحية لا يمكن لأيامها القليلة أن تثير مشاعر اغترابية على نحو تجعل الشاعر يضيق بالمكان الجديد، فيهرب شوقاً إلى حبيبة غائبة؟

أسئلة عديدة يمكن طرحها قبل الدخول في مؤلّف إبراهيم الشعري، وهي باعتقادنا أسئلة ضرورية، ينبغي أن نلتمس لها إجابات فيما نحن مقدمون عليه من درس وتحليل.

أدب الرحلة شعراً..

كجنس أدبي يصنّف المصنّفون أدب الرحلة إلى عالم النثر الرحب. واعتبروه نصّاً سردياً يعمد إلى وصف مكان في زمان معيّن للتعبير عن جملة مشاهدات الكاتب في ذلك المكان، ولكن المفارقة هنا أن الشاعر سوف يعمد للتعبير عن هذه المشاهدات وعن مدى انفعاله عاطفياً بها من خلال الشعر، وبالتالي فإنه سوف يعتمد تقنية اليوميات لتفعيل الزمن السردي للأحداث التي يمرّ بها: ومرّ يوم، ليلة أولى، ليلة ثانية، فثالثة...إلخ.

وللتعبير عن الصباح سيكرر عبارة: أصبح الملكُ لله، لتتداخل وتتشابك من خلال هذين المعطيين الزمنيين العديد من المعطيات التاريخيّة والاجتماعيّة والذاتية وفق آلية سردية ينهض بروايتها سارد بضمير المتكلّم أو المتكلمين، سيعمل على وصف مشاهداته ما بين إفاضة حكائية مستحبة، وكثافة تميل إلى الحكمة والتأمّل في الذات والبشر والأمكنة: أرفع الآن رأسي ، قليلاً من الحبّ/ ماذا أرى كإنشاء استفهامي ومحفّز كلاميّ تدفع بالقارئ في تتبّع حكايته عن تلك الـ «غائبة» أو «الحاضرة» التي يتسلل صوتها إليه مرتعشاً، وما بين الغياب والحضور سوف يفتح إطاراً زمنياً «مرّ يوم»، ويومٌ في زماننا كاف لأن ينقل الشاعر من بين أهله ووطنه ومَن يحبّ، ليتركه غريباً ومهملاً على رصيف ما في إحدى المدن.

حيث يصعب عليه التكيّف مع الأمكنة الجديدة مباشرة سواء من حيث مغايرتها لمكانه الأليف وبتغير الطقس والمناخ عليه، ومن جانب ثان التباين بين ثقافته وثقافة أهلها، ومن هنا، فإن المسافر لا بدّ أن يعمل جاهداً على الفهم، فهم هذا الآخر لكي يتكيّف، أما إذا كان شاعراً كإبراهيم، فإنه لا بدّ سيخزن الصدمة الأولى من خلال الدهشة. وكلّما تقدمنا في القراءة سوف نكتشف آثار هذه الصدمة فالطقس: «طقس تعذّر فيه صباحك» كعبارة مفتاحية تدفع للمقارنة بين صباحه هذا، وصباحاته في الوطن:

(ولا شيء يشبه تلك الصباحات

لا شيء يشبهني في البلاد الغريبة).

وربّما هذا المقطع يذكّرنا بقصيدة المتنبي «شعب بوان» حين يقول:

ولكن الفتى العربيّ فيها غريب اليد والقلب واللسان

ولكن شاعرنا بالرغم من لحظات اغترابه ومقارناته بين الخروج من الحبّ والدخول إليه سوف يعمد إلى فتح أطر حكائيّة جديدة لأيامه بلياليها وصباحاته في شكل من أشكال سرديات أدب الرحلة شعراً:

(سنذهب بعد قليل إلى البحر..

سائقنا يتأهّب.. والأهل ينتظرون الإشارة

قال: هلموا.. فقمنا..

ركبنا

وساق بنا في الطريق الطويل.. وصلنا

تحرّك قاربنا.. وتبسّم كلّ على قدر فرحته

ثمّ عدنا..)

سنلحظ في هذا المجتزأ أنه لكي يخفف من السردية الحكائية سيعتمد تقنية الحذف مكتفياً بالإشارة والتلميح العابر: البحر، الطريق، القارب، عدنا، وليس ثمة توصيف مكانيّ بمقدار تفاصيل ما قبل الرحلة لتتمركز في النهاية على شكل شهادة جامعة بجملة مشاهدات مقيّمة من خلال رؤيته الخاصّة أو الفكرية للمكان: «هنا... بشر لا تسل نفسك لم يعيشون. وإنما كيف يستطيعون أن يعيشوا..» وكثيراً ما يتجه السرد باتجاه الصورة الشعرية والبلاغة سعياً للخلاص من رتابة الوصف أو الإخبار التاريخي:

«ومن الذاكرة التحجريّة، تستعيد بروقها وأزهارها، ينابيعها ومتاهاتها، ثوراتها و خموداتها، وتضحك. تضحك وأنت تتلمّظ بكلمة «الحداثة» التي غدا طعمها ليناً وسمجاً».

وكما هو واضح، فإن الذات الواصفة الساردة في هذا المقطع، تتهيأ برأينا إلى إقامة نوع من التقابل بين عالمين: المدنيّة الغربية (مدنية الحداثة) والطبيعة العذراء بشموسها وجبالها ورمالها. ولن تكون المقارنة لصالح الحداثة حتماً في هذه المقابلة، نظراً لأن الحداثة باتت مألوفة، وربما مكروهة بالنظر لما أحدثته من شروخات في نفسية ابن البادية الإماراتية الذي تشبّع بعناصرها الطبيعية النقيّة في طفولته وشبابه، وكأنه في هذه الرحلة يسعى لاستعادتها من خلال اكتشافه للأمكنة العذراء.

والاكتشاف بهذا الإطار هو اكتشاف لما قرّ عميقاً في الذات من رغبة متقدّة في التماهي مع الطبيعة والانتصار لها، وللبشر الذين لم تلوّثهم المدنية. وعلى الدوام في رحلة استعادة الذات ثمة بشر وشموس وتراب وأحجار: كوكبان، عالم رائع من الأحجار التي كأنها التبر، ومريم المتخفية بلثام يخفي كلّ شيء فيها ما عدا عينيها..

والعيون على حدّ تعبيره أبواب للروح ومداخل الجسد، وبالمقارنة، فإن وجه إبراهيم المتلألئ بالنور، وهو يقف فوق صخرة حمراء، ينظر في خلاء قاهر، وربّما إلى الضباب الذي يغطي قمم الجبال: ضباب مملوء خيلاء، لا يستر بشراً وطرقات (مثل ضباب أوروبا البليد)، وإنما يخفي قمماً يسكنها الناس ـ الطيور، منذ أول العصور. والتحيّز للطبيعة البكر واضح هنا من خلال المقارنة والوصف بـ «الضباب البليد» الذي هناك في أوروبا.

عزت عمر