العمل الأول للكاتب.. يظل هو الابن البكر، أول فرحة القلب، المحبب إلى قلبه مهما اكتنفه من أخطاء أو تسرع أو لهفة الشوق لرؤية هذا الوليد، فهو إثبات لذات الكاتب، إثبات لوجوده على الساحة الثقافية، كونه يكتب ويخلق، ومستمرا.. في ديمومة لا تتوقف نحو الشروق والظهور والآفاق الرحبة.

أوقات صدور العمل الأول للكاتب، تقترب إلى حد كبير من لحظات المخاض.. لحظات قوية وعنيفة وقاسية جدا على النفس والبدن، ومع كل هذه المعاناة للمبدع الكاتب، تظل دوماً لحظات رائعة في مذاق الشهد، لأنها خلق وإبداع وصنع الحياة،

وإن كان المبدع لا يقلد الواقع، كما قال أرسطو الفن تقليد للطبيعة، طبيعة الأشياء وكنهها، فالكاتب المبدع لا يعطينا صورة مطابقة تماما للواقع.. لأنه يصنع من عالمه الأدبي الخاص عالما آخر له شخوصه وقوانينه ومبادئه وأفكاره ورؤاه، تمتزج فيه هموم الكاتب «الخاصة» بالهم العام،

وتصبح لحظة صدور أو ظهور هذا العمل الأدبي الأول، العالم الذي خلقه الكاتب من ذاته وعصارة أفكاره. لحظة غامرة بالنشوى والعشق لهذا الوليد البكر الجديد الذي خرج للنور، للحياة، يعانق الطموحات التي يود تحقيقها على أرض الواقع بعد أن كان مجرد فكرة خيالية هلامية في الذهن..

ومع هذه اللحظات القوية من الخلق والإبداع، يظل الكاتب الفنان، في حالة من التوتر على خطوات هذا الوليد الجديد، الأخضر الطري، الذي لم يقدر له أن يخطو، خطوة ،لإثبات وجوده على أرض الواقع، لإعطائه شهادة ميلاد واستمرار ونجاح يود الكاتب المبدع أن يكتب لعمله هذا، وهو جزء منه، البقاء والدوام والاستمرار لهذا الابن الذي هو في نفس الوقت خلود للصانع والمبدع وديمومة لاستمرارية التدفق والعطاء..

وبعد صدور العمل الأدبي الأول للكاتب، هل تستمر مشاعر القلق نحو الآتي أو المستقبل ؟. برغم مشاعر الخلق والإبداع، إلا أن الفنان المبدع، يظل قلقاً وحائراً دوماً ولن يهدأ او يستقر نفسيا وجسديا من هذه المعاناة إلا بالولوج في مرحلة جديدة وعملية مخاض أخرى للخلق والإبداع،

وربما في هذا القلق نحو المجهول يكمن سر الإبداع المستمر والعطاء المتدفق للكاتب، إنها موهبة في كيانه تسري في العروق وتستقر في النخاع. وعملي الأول كتبته لأنني عاصرت سنوات النكسة والحرب والهزيمة،

ووجدت أن بداخلي أشياء كثيرة أو التعبير عنها، أو إخراجها من حيز «القوة» إلى حيز «الفعل»، من الذات البشرية المبدعة، العالم الهلامي المضبب، إلى عالم البشر وأرض الواقع، هذه الشحنة كنت أحسها في أعماقي، رغبت في إفرازها، أن يحسها معي كل البشر من أمثالي،

وفي قلبي حزن كبير وسؤال حائر : كيف وصلنا إلى هذا الحد ؟!. كيف حدث ما حدث ؟ ولماذا حدث ؟! مئة سؤال وسؤال دون جواب. وكتبت العمل الأول لنفسي وذاتي حتى أقول كلمتي واستريح مثلها قالها إبراهيم البحراوي بطل روايتي غريب بين الديار.

دوما كان يسأل نفسه : لماذا أنا بالذات، المصيبة تقع على رأسي دون كل أهل البلدة ؟! هذا الهوان والانكسار، يفقد كل شيء في لحظات متعة ولحظة ضعف بشري، وتنتهي الرواية من حيث بدأت وهو يطرح الأسئلة، دون الحصول على الأجوبة التي تريح القلب وتبل الريق !!