قبل آلاف السنين قال إمبراطور الصين صان تسو : (المعرفة هي القوة التي تمكن العاقل من أن يسود، والقائد الخير من أن يهاجم بلا مخاطر وان ينتصر بلا إراقة دماء وان ينجز ما يعجز عنه الآخرون)..ونقاط التحول الكبيرة في تاريخ الحضارات إنما حدثت بفعل انتقال المعرفة من شعوب إلى أخرى كما حدث في عهد المأمون عندما تم تشجيع المعتزلة وتأسيس بيت الحكمة واستقدام كتب العلم والفلسفة من اليونان وترجمتها لبناء الحضارة العربية. ثم فيما بعد عندما استلهم الغرب المعرفة والعلوم والفلسفة ونقلها من العرب والمسلمين منذ أكثر من 500 سنة ليبني عليها مجده الحضاري الحالي.
لكن سؤال المعرفة اليوم غير سؤال الأمس، وإذا كانت دوافع المأمون هي التصدي للقوى الفارسية المناوئة آنذاك ـ كما يقول محمد عابد الجابري- فان المبادرة التي تتقدم بها الإمارات اليوم بدعوتها لأكثر من 300 مفكر عربي لمناقشة وبحث كيفية بناء إستراتيجية جديدة في العمل المعرفي العربي، لا تهدف إلى التصدي للآخر أياً كان والقضاء عليه، بقدر ما تتطلع إلى التكامل معه والإضافة له والأخذ منه، وهي رغبة صادقة للتميز والمنافسة في سباق لا نهائي كل من يتأخر فيه خسران.. وكل إسهام عربي جديد في الحضارة العالمية اليوم سيشكل بلا شك غرسا مغايرا ومختلفا في الحس وفي التعامل مع مادة المعرفة بروح تمتلك فرادتها وفهمها الخاص والإنساني للحياة والعالم.
الملفت في هذه المبادرة الكبيرة والخيرة التي تتبناها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، أنها تتبنى الفعل قبل القول، والعمل أكثر من الكلام، وما ستفرزه جلسات النقاش في مؤتمر المعرفة الأول في دبي من أفكار وتوصيات لن يذهب كالعادة إلى الأدراج والورق، بقدر ما يراد لهذه الأفكار أن تتحول إلى مرتكزات عمل من ضمن منهج جديد يؤسس لآليات ومبادرات للتحرك فورا نحو العمل بحرفية عالية من اجل تهيئة بنية أساسية جديدة لاقتصادات المعرفة والتعليم والترجمة والعلوم انطلاقا من الأرض العربية هذه المرة ولكن بمستويات عالمية بعيدا عن ضغوط وتأثيرات السياسة.
والمتابع لخطاب النهضة العربية يلمس بعمق مدى السلبية التي لصقت به عندما ظل هذا الخطاب أسيرا للأهواء والتبدلات السياسية وانحساره في ان يكون تابعا للأنظمة وبعيدا عن استقلاليته وحريته.
وكانت النتيجة المباشرة لهذه التبعية هي هجرة العقول والأدمغة إلى الغرب المتفتح، وسيادة الخطاب أحادي الرؤية في الكثير من صروح العلم والجامعات العربية، ولجوء المثقفين والأدباء إلى تبني ثقافة الهامش، وفشل مخرجات التعليم في إيجاد اي حلول ناجعة لإشكاليات الفكر والمجتمع. ومثل هذه الحالات لا تزال سائدة في الكثير من البلدان العربية اليوم. والنتيجة القاسية لمثل هذه الحال هي المزيد من التردي في فكر المجتمعات العربية واتساع الفجوة المعرفية بين الكثير من الدول العربية وبقية دول العالم.
يأتي مؤتمر المعرفة الأول إذن ليبني عتبة جديدة ربما نستطيع من خلالها ان نلج باتجاه تحرير العمل المعرفي العربي من القيود والحواجز والروتين والترهل والسبات، وهو حاليا مجرد عتبة وباب، وما سوف يتبع هذه المبادرة من عمل مدروس هو ما يجب التركيز عليه..فالظروف الاقتصادية والسياسية حاليا في الإمارات تعد ممتازة لغرس شجرة المعرفة العربية المنشودة، والنية على تغذية هذه الشجرة وسقيها بالماء العذب متوافرة وبنية إنسانية خالصة لدى صاحب المبادرة.
كما ان المنطقة العربية برمتها بحاجة اليوم إلى مساحة آمنة ومستقرة كي تعمل فيها الجامعات والمراكز العلمية والثقافية بحرية واستقلالية تامة تتيح للأجيال الجديدة من المبدعين والعلماء والمفكرين ان ينموا ويكبروا في بيئة مثالية. وسبق لدبي ان نجحت في الكثير من المشاريع المشابهة من مثل (مدينة دبي للإعلام) و(قرية المعرفة) وغيرها من المبادرات الناجحة التي دعمها فكر اقتصادي متفتح أتاح لها الاستمرار بذاتها من دون تدخل مباشر أو وصاية من الحكومة.
لا يعني ذلك ان قيام صناعة معرفية وعلمية عربية انطلاقا من الإمارات أنها ستكون مقتصرة على مكان دون غيره، أو أنها ستكون حكرا على منطقة جغرافية بعينها، ذلك لان روح هذه المبادرة كانت تنظر إلى البعيد دائما، والى المستقبل الذي بلا نهاية، فالقضاء على الأمية والوصول بمستوى التعليم في العالم العربي إلى نسبة 100% ربما يكون حلما صعبا في نظر البعض، لكنه ليس مستحيلا، ويمكن أن يتحقق في غضون سنوات قليلة إذا ما بدأنا التحرك على الفور لتحقيقه مع توافر الإرادة والإمكانات..
أي إن خير هذه المبادرة سيمتد أولا للمناطق القصية والمحتاجة في بلدات العالم العربي لبناء المدارس من دون إغفال ضرورة تشييد احدث وأرقى الجامعات والمراكز الثقافية والعلمية والاهتمام بالترجمة في منظومة عمل متكامل لا ينتهي. أي إن المطلوب من شجرة المعرفة أن تصل بنورها العالي لتضيء جميع الزوايا وان تقشع الظلام من القلوب قبل العقول. وهذا ما تتوخاه هذه المبادرة الشجاعة التي تريد أن تحرث في الزمن.
قراءة سريعة في أجندة وأوراق عمل المؤتمر تكشف عن عمق المشكلات الصعبة التي يعاني منها الواقع العلمي والمعرفي العربي..ولكن وراء هذه الإشكالات تلوح في الأفق اليوم رياح الأمل التي انتظرناها لتنقل السفن الراكدة إلى مياه جديدة عذبة.