من بقي حياً من أعضاء حلقة التنويم المغناطيسي التي انتميت إليها في سنوات دراستي الثانوية، صاحب لي لم ينقطع يوماً عن تدوين فصليات حياته في مفكرات صغيرة الحجم، تكاثرت وتعددت بعدد القطائع والأهوال. سبقني صاحبي إلى الانتظام في الحلقة، ومُنح كلانا اسم (بوراني)، ولما كان صاحبي يكبرني بثلاثة أعوام، أصبح اسمه (البوراني الواحد والعشرين). كان يدس مفكرته في جيب سترته الداخلي أو في حزامه تحت قميصه الطويل، وقلما افترقنا حتى يومنا هذا.

تنتسب مفكرة صاحبي إلى مفكرات تجوال حظر الكتابة التي دوّن فيها هيرمان هسه وكاواباتا وصنع الله إبراهيم ومحمد شكري وقائع الهيام وراء أسوار الليل وتحت الطبقات السطحية لمدنهم الكبرى الصاخبة. ولم تكن مفكرة صاحبي تختلف عن مفكراتهم بسوى الرؤى المضافة إلى ساعات التجوال من أغوار المنامات وتفسيرها.

ساعدته مناهج المفسرين الاعتباطية على ارتياد مناطق متخيلة بنى فيها داراً شرقية يتوسطها فناء مكشوف اجتذبت زواراً غربيين ومهاجرين شرقيين، وازدانت المفكرة بلقاءات مع أجاثا كريستي وطاغور وجبران وماركيز. وعندما زرع نخلة في حديقة الفناء، استقبل في ظلها الباسق دوريس لسنغ، صاحبة ( المفكرة الذهبية) التي نالت جائزة نوبل في ديسمبر من هذا العام.

عرّف صاحبي نفسه لدوريس لسنغ باسمه القديم (بوراني)، فتساءلت المرأة العجوز عن غرابة اسمه وحدست مصدره الهندي. أجاب صاحبي: إنه اسم مغناطيسي يمكنه من الالتصاق بدعائم الأعماق، والاقتراب من رؤى (باصورا) المزرّدة بالدروع الملغمة. تجاهلت لسنغ إشارة صاحبي إلى مفكرته، وتبسمت ثم قالت: إنها تحب هذه الأسماء والأمكنة، فقد ولدت في إيران وعاشت طفولتها في روديسيا قبل انتقالها إلى بريطانيا مع ابنها الصغير.

كانت طفولتها مؤلمة، وحياتها الزوجية فاشلة وكذلك دراستها، وتعرضت إلى أنواع من الكراهية وسوء الفهم، فصبت نقمتها على العنصرية والتمييز الجنسوي بين الرجل والمرأة عبر دفتي مفكرة العمر الذهبية. لولا هذه الأمكنة والكفاح ضد اليأس والخنوع والاضطهاد، لما عثرت على أنموذجها المتحرر في المفكرة.

قال صاحبي: إنه يقدر نضالها النسوي، لكن مفكرته تختلف عن مفكرتها، فغلافها ليس ذهبياً وإنما هو غلاف خشن ملطخ بالوحل والدم والبراز. فوجئت لسنغ بهذه المقارنة الكئيبة، وتجهم وجهها المجرب بالصدمات الشديدة والافتخار الأدبي المشرق، وهمهمت: أجل أفهم ذلك، إنها مفكرة الأعماق على أية حال.

زعمت الأكاديمية السويدية أنها منحت دوريس لسنغ جائزتها (لأنها كاتبة ملحمة الخبرة الأنثوية، التي قامت من خلال التشكك والغضب والقوة الرؤيوية، بإخضاع الحضارة الإنسانية المقسمة للتفحص والتدقيق). وكانت أعمالها الأدبية (الميراث الأقوى الذي ألهم جيلاً من مناصرات الحركة النسوية ).

وأضافت الأكاديمية (إن حركة المساواة المتنامية رأت في ـ المفكرة الذهبية ـ عملاً رائداً ينتسب إلى قلة من الكتب التي أغنت بمعلوماتها وجهة نظر القرن العشرين المتعلقة بعلاقة الذكر بالأنثى).

من جهته يزعم صاحبي أن (مفكرة الأعماق) عمل ينتمي إلى لحظات القوة والضعف التي انتابت المخطوفين والمقتولين في العراق وباكستان وأفغانستان، إذ احتوت نداء الاستنجاد المسجل على شريط فيديو (أرجوكم ساعدوني. أرجوكم ساعدوني.

قد تكون هذه ساعاتي الأخيرة) بصوت الرهينة المخطوفة مرغريت حسن، مديرة منظمة كير للإغاثة الإنسانية في العراق، المتوسل لإنقاذ رأسها الذي سيقطعه رجل ملثم بعد ساعات من عرض الشريط على موقع إلكتروني أصولي في أكتوبر2004.

وقد تقترب مفكرة الأعماق من عمل (الرومنتاج) الذي ألّفه الكاتب الفرنسي برنارد هنري ـ ليفي عن اختطاف الصحافي الأميركي دانيال بيرل في باكستان وتصوير عملية قطع رأسه على شريط فيديو أيضاً. أو قد تقتسم المفكرة هواجس انتظار القتل مع مفكرتي الصحافيين الفرنسيين المخطوفين شينو ومالبرونو وحوارهما مع حراسهما في المواقع التي نُقلوا إليها جنوبي بغداد مدة أربعة أشهر قبل أن تحررهما عملية فرنسية في أكتوبر2004. هذه حوادث لم تلوث مفكرتك بالوحل والدم والبراز، قال صاحبي لدوريس لسنغ.

وقد يمضي صاحبي ليلة في (عنبر رقم 7) لتسجيل محاكاة منحرفة عن قصة تشيخوف، ومعاينة لصيقة لوجوه الجثث المتناثرة في مستشفى البصرة المركزي، والتحديق إلى عيون الموتى، ثم يخرج من العنبر ليقضي بقية الليل في حلقة زار، ويتابع خروج الشياطين من أجساد الممسوسين مع الفجر، على إنشاد الأغاني الزنجية المصحوبة بخشخشة السلاسل وعواء (السرناي) وتطويح الراقصين. وما دامت المفكرة نفسها مسكونة بلعنة التحريم والإبادة، فقد تُرمى في مزبلة أو بالوعة وتُمحى منها أغاني الليل وأسماء موتى العنبر.

إن رقابة تحريمية من نوع رقابة الأحلام اللاواعية، تُمارس على مفكرة المخطوفين والممسوسين، تدفع صاحبي إلى تحوير كتابة الأعماق بصيغ الرسائل المفضوضة، والنصوص المختصرة، التي استُعملت مئات المرات في المفكرات ذات الأغلفة المنجمة بنجمة الفجر الحمراء: مفكرات تروتسكي وغرامشي وجيفارا. ولكنه قد يلجأ أيضاً إلى نصوص المعمدانيين والهرمسيين والكازانوفيين، وأمثالهم من فرسان المحافل المنقرضة، لشحن مفكرته بمقاطع مجتزأة مع أحلامه: جنازة في الليل، نمل المقبرة، رسالة إلى غاندي، إعدام دكتاتور، الابن المفقود. . وقس على هذه الأراجيف.

كان لصاحبي ولد يجبره عمله في وكالة تجارية على السفر ومغادرة دار أبيه أياماً تطول لياليها وتترامى خطواته أبعد من مرمى قوس أحلامها. ازداد قلق الأب على ابتعاد ابنه الوحيد، لكن سروره بعودته ينسيه لوعة الفراق بعد كل سفرة، فيجلسان مع البنات والأم يتباريان في تفسير أحلام البعاد واستذكار فراسخ المنام التي فصلت بينهما. كان الابن يقرن مطالع منامه بقرائن السفر الحسية، مخالفاً الأب الذي يعبر رؤاه بقرائن الروح.

رأى الأب في منامه أنه يصرم عذوق نخلة مثمرة، فلما أبصر ابنه من نافذة حجرته يعود من إحدى سفراته بفسيلة نخل يطرحها في حوش الدار، انقبض قلبه وخرج لاستقباله. أراد الابن أن يهدي إلى أبيه قرينة ما حلم به هو الآخر في البعاد، هدية تدل على كثرة المال والبنين وارتفاع المنزلة، بينما أوّلها الأب بدنو ساعة الوداع المحتوم. تعاون الاثنان على غرس الفسيلة وسقياها، ثم جلسا قربها أحدهما يدحض حلم الآخر ويسوّف دلالته.

غاب الابن وانقطعت أخباره، وبسقت النخلة وأعطت جنيها، ثم طاف طيف دوريس لسنغ بحوش الدار، فأجلسه صاحبي في ظل النخلة وروى له رؤياه التي أرجأ تدوينها في مفكرته حتى فوز لسنغ بجائزة نوبل. قالت العجوز: تدوين الأحلام عمل مخيف. إنني أهاب تدوين أحلامي، وأدعها كما تأتي من منطقة الظلام تتبدد في ضوء النهار. كثيرات من نساء رواياتي المناضلات متنَ أسِفات موءودات ولا أجرؤ على بعثهن من قبورهن. كما أني في الثامنة والثمانين من عمري لا اطمح إلا لساعات من الهدوء في منزلي بمعزل من احتفالات الإمبراطورية.

علق صاحبي على قول لسنغ: بعد غياب ابني في دورة من دورات الأعماق، أطمع بأحلام أعمق، وزيارات أكثر. إنني لا أستطيع العودة إلى مناطق الحياة الهادئة. ليتني أملك حكمتك وأصل إلى مبتغاك. أحتاج إلى شجاعتك في مواجهة الغضب والتدمير. أنتِ قديسة.

احتجت لسنغ بصوت كسير: لا يوجد قديسون في الأدب. لم أرو إلا عن ملاحم الأرض، أرض الظلال التي غابت عنها الشمس. وأظنك أخيراً تعلم بمآل مفكراتنا. ستُطمس إلى الأبد، أو تباع في مزاد مع الرسائل والدفاتر المزورة. ويا لها من نهاية مؤسفة لأحلامنا !

mkhuadyyir@yahoo.com