نهايتكَ أنتَ

من يختارها؟

قالَ صديقي الرسّام

انظر إلى هذه المدينة.

يشترونَ الموتَ بخسا في كلّ دقيقة،

ويبيعونَهُ في البورصة

بأعلى الأسعار

«سركون بولص»

لا أعرف سركون بولص ولم ألتقه ذات مرة، غير أنني أعرفه كما أعرف الآخرين الذين التهمتهم المنافي الكثيرة في أرجاء العالم. وبولص الآشوري، العراقي، الشاعر، الإنسان، الذي اختطفه الموت قبل أيام قليلة في منفاه الألماني الأخير،

كان واحداً من هؤلاء عندما طاردته السياسة والإيديولوجيا فتنقل من منفى إلى آخر ومن صحراء إلى صحراء حاملاً على صدره تعويذة شعرية ورثها من حضارة الشعر وطاف بها المدن والبلدان والأصقاع لعلها تقيه من طاعون السياسة والسياسيين؛ فالشاعر عموماً أكثر إيماناً منا بهذه التجليات السرية العميقة.

نصف عمره الستيني غربة وترحال وقلق وبحث عن مدن يوتوبية تُبعده عن وسواس عرفه منذ أن نبتت القصيدة بين أصابعه، ليقيم في مملكة نائية عن الخوف والرعب فيكتب القصيدة تلو القصيدة ويتجلى هنا وهناك ليصل إلى مدينة (أين) تلك المدينة التي وصلها أخيراً في تابوت غريب ومدينة غريبة ليُنهي طوافه عبر العالم

ومحطات المدن التي عرفته وعرفها وفي جوانحه حسرةٌ اسمها: الوطن. ومات سركون بولص بعيداً عن قريته بعد أن تشربت فيه روح الغربة والإغتراب، وانتهى أخيراً في مقبرة الغرباء، ليُضاف رقمٌ آخر إلى مدونة الموت العراقية التي لا تنتهي. .

كان القروي سركون بولص الذي ترك قريته في كركوك محملاً بهواجس شتى وأحلام شتى ينتمي إلى جماعة كركوك الأدبية، حيث برزت وقتها أسماء عدة من العراقيين مثل الشاعر (الأب يوسف سعيد) والبوهيمي الراحل (جان دمو) والقاص أنور الغساني والقاص الراحل جليل القيسي والقاص الراحل يوسف الحيدري

والشاعر مؤيد الراوي وحاولت هذه الجماعة حين وصولها إلى بغداد من إحداث ثورة جديدة في الشعر العراقي وتغيير ما يمكن تغييره من خريطة الشعر القائمة على التفعيلة الكلاسيكية أو الشعر الحر الذي قاده بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وذلك بتثوير الواقع الشعري بأساليب جديدة ضمن مشروع يريد تجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري.

وكانت قصيدة النثر هي المشروع الجديد الذي كان يعتمل في صدور هؤلاء الشباب في سنوات الستينيات.. ولد سركون بولص عام 1944 وكان يقيم منذ عام 1969 في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، وقد أمضى السنوات الأخيرة متنقلاً بين أوروبا وأميركا،

وخصوصاً في ألمانيا حيث حصل على عدّة منَح للتفرّغ الأدبي. وصدرت له ثلاثة كتب بالألمانية: غرفة مهجورة، قصص 1996؛ شهود على الضفاف، قصائد مختارة 1997، وأساطير وتراب، سيرة 2002 وقد أصدر بولص: الوصول إلى مدينة أين، الحياة قرب الأكروبول، الأوّل والتالي، حامل الفانوس في ليل الذئاب، إذا كنتَ نائماً في مركب نوح،

والعقرب في البُستان. كما أصدر ترجمته لكتاب إيتيل عدنان هناك في ضياء وظلمة النفس والآخر، وسيصدر له هذا العام ترجمة لكتاب «النبي» لجبران خليل جبران، و« رقائم لروح الكون» وهي ترجمات مختارة.

رحل الشاعر

وبقي الشعر

رحلت الذكرى

وبقي المكان..

aridbader@yahoo.com