تواصلت فعاليات المهرجان الثقافي الخليجي لليوم الثالث على التوالي في كل إمارات الدولة، وكان من بينها أمسية شعرية مشتركة في مسرح قناة القصباء مساء أمس الأول، شارك فيها شعراء من كل وفود دول مجلس التعاون، بعثوا برسالة حب للشارقة وبكوا العراق وتغزلوا وظلت فلسطين في البال عبر قصائد تنوعت بين النثرية والعمودية والتفعيلة، وتباينت من حيث اللغة والموسيقى والرؤية وعمق التجربة والصدق الفني وحضور الشعراء..

... سلام على الريح / قارورة الليل / حين تزمل بالنقع / خيباتنا الخاسرة سلام على الحب / شارقة النور / مهد ملاحمنا النادرة..بتحية الحب هذه افتتحت الشاعرة عائشة السيفي من سلطنة عمان الأمسية المشتركة، معطية لأجوائها وهلة خاصة أضفت على الحضور ترقبا حذرا، ونثرت في فضاءات الإصغاء أسئلة مغايرة عن حالة الشعر في الخليج العربي الذي لا تنبش جواهره إلا مثل تلك اللقاءات، وخاصة حين تابعت مشاركتها عبر قصيدة «معيداً نبوته الغابرة» المليئة بالصور والتداعيات، الغارقة بالرمزية الأقرب للغموض اللذيذ منها للهذيان، الموحية برؤى مرهقة وطقوس بدء لنهايات كالحلم:قريباً / يغادرك الحلم غضاً كأشيائك المتعبة / يضرج فيك سماواته بالمدى / والمدى عالق فيك كي تكتبه / تجيء بأسمائنا يا صديقي وتفتح كل مناقيرها / ثم تعلن «حي على الهاربين إليها» / نبي أعار التمائم للروح واختار يوما بأن تنجبه..

الشاعر علي الأنصاري من دولة قطر اعتقد أنه يغرد خارج السرب مع إنه قدم قصيدة مهمة بعنوان «رسالة سيف بن ذي يزن لأهل اليمن» وربما يعود ذلك لأن زميلته عائشة نقلت الحضور لأجواء مغايرة، أو يعود للطريق التي تناول بها الشاعر قصيدته، فقد أوضح في البداية أن عقدة سيف بن ذي يزن جاءت جراء استعانته بالفرس لاستعادة ملك اليمن من الأحباش، ولما تم ذلك أبقى كسرى مندوباً له يدير شؤونه حتى استولى على الحكم بعد موت ابن ذي يزن..

وهذا الحفر في التاريخ وإسقاطه على الواقع بهذا الوضوح وتلك المباشرة يأخذ من الملتقى متعة التفاعل والبحث، ويقرب القصيدة من الحكاية أكثر مما يقربها لإثارة الأسئلة، وخاصة وأن قصيدة «نقوش على وجه سيف بن ذي يزن» تتابع كالتالي:

سلام كسرى لكم ياسادة اليمن ورحمة من تكسوكم مدى الزمن

هذا خطاب من المنصور تبعكم حلو الشمائل من سيف بن ذي يزن

يقول كسرى إذا عاونت دولتهم سيرجع « اليمن الكبرى» إلى اليمن..

بقصيدة «قيثارة» بدأ الشاعر أحمد العبري من سلطنة عمان مشاركته في الأمسية، ومع أنه ينسج على بحور الفراهيدي إلا أن لغته الرشيقة وصوره المعبرة ومفرداته القريبة من يومياتنا جعلت قصائده أقرب للحديثة منها للقديمة، ونلاحظ ذلك في قصيدة «ملكوت» التي جاء في مطلعها:

أستل من بين أهدابي شراييني وأرتمي بالهوى في حضن نسرين

ألامس الروح في أفيائها، وعسى أن تستجيش الخلايا نفحة الطين

ورغم أن العبري بدأ بالوجدانيات والغزل العفيف والصريح، إلا أن جرح العراق ما زال يؤلمه كبقية زملائه، فبكى العراق بقصيدة «عراء» التي من أجوائها:

من أين يا دجلة الخيرات أنفثها مواجعي؟ وأنا سوطي وجلادي

من كل صوب تسوق الموت أغنية أوتارها الروح من قلبي وأكبادي

المخطوطة

الشاعرة نبيلة زيباري التي تغنت ببلدها البحرين (( تتوج المساء رداء للسمار/ تتوقع الضحى عقوداً / تغزل الحب أرخبيلا / وتأتي لتتدفأ بهمس القلوب )) ظلت فلسطين في بالها أغنية، وأن لم تذكرها باسمها مباشرة أو بفجاجة، فإن إشارات ودلالات ناعمة جارحة كالذكرى المرة أعادت للزيتون والبرتقال والحجارة ذلك الانتماء الأبدي لقضية لن تموت، فبعد قصيدة «المخطوطة» جاءت قصيدة نصف قرن وحجارة «التي تقول فيها:

نصف قرن تكتبنا الحجارة / نصف قرن ينتحر في حبنا الحمام والسلام / نصف قرن نتهجى كيف نقرأ الحجارة..

إلى أن تقول: نصف قرن وحدنا / صلاح الدين في وجوهنا / والبرتقال نزف في جنوبنا.... نصف قرن تقتلنا البنادق / ولكن تحيينا الحجارة..

الشاعر حسن السبع من السعودية، الذي ولد في عام النكبة وتزوج في عام النكسة ـ كما عرف بنفسه ـ قدم مفارقات مؤلمة بلغة مكثفة موحية، لا تدل على صدق الفني والعاطفي ومقدار وعيه وحسب، بل على عمق تجربته الفنية أيضاً، خاصة وأنه يكتب الشعر الموزون وقصيدة النثر،بدأ مفارقته بمقطع تحت عنوان «تباريح سوق العطش» الذي يقول في مطلعه:

سحابة الرصافة / تخطر الآن مثل العروس / مزنة ترتدي حلة نسجت من حرير الشموس/ الرياح وصائفها/ والفضاء لها سكة ورصيف..

وختم السبع مشاركته بقصيدة «نصف ضجيج» التي يقول في مطلعها:

هل غادر المنفى احتمالا واحداً فأدق بابه / هل لانهمار القلب من وطن / فاسكب ما تبقى مزنة أولى لتنبت غابة بعد غابة / عبث الخريف بكل أوراق الطفولة / من تخط دمي وتبتدأ اصطخابه / من تستفذ تدفق العشرين في قلمي / فاشطب حكمة الموت واستدعي قرنفلة الكتابة...

الشاعر عيسى جرابا من السعودية، بدأ مشاركته ببوح للشارقة وأهلها:

كما تشائين بوحي / واملئي القدح / فيما الوجوم / وليل العاشقين صحا / هزي إليك بجذع الحب / أن به ما يشتهى / رطباً أعطاك أم بلح / وضمدي جرح قلب / ما يزال على كفيك / يجمع كالملهوف ما طرح ...

الشاعر عقيل العيدان من الكويت شارك بقصيدتين تكثفان حالات إنسانية نعرفها كلنا ، لكن لا يمكننا صياغة حدوثها ورصد وقعها في دواخلنا، فخسارة الصديق كالهدم، ذاك الفعل الذي يخرب ما تراكمه المحبة عبر عشرات السنين :

غالباً ما تكون البداية زاهية / والطريق سهلة / غالباً ما يكون الصديق طيعاً / ثم في غفلة منك أو منكما / يتصدع في العمق شيء خفي ويطفو / كجثة طفل غريق..

ختام الأمسية كان مع الشاعر محمد المغربي من الكويت الذي بدأ مشاركته بقصيدة «جدارية الصلف» المهداة إلى روح أمينة جدة الشاعر بدر شاكر السياب، ومن أجوائها :

«فدوة» يا أمي البعيدة / ليس غيرك في دمائي وانتمائي أنت / والمرموز في سفري وقافية الحداء / وجوشني وغرير سعيي للأمام / حثيث عدوي للمغيب / جناح روحي المستزيدة / «فدوة» يا أمي البعيدة ...

وكغيره من الشعراء المشاركين في الأمسية بكى العراق في قصيدة «أنوشدتا سفر» التي يقول فيها :

أنا بغداد جئتك من حزين النخل / استجدي ابتسامة صبحك الكسلى / حريق القلب / منهوب الرؤى / متكسر الأغصان / دوني المشاعر / قاتلا بالسخط / ملعون البصيرة / معدم الإحساس / محترقا / كناج من فنائي دون رجل أو يد .

الشارقة ـ محمود أبوحامد