ذهب شاعر وصديقه المدير إلى حفل عشاء باذخ في فندق (القصر) بدبي، وعلى مدخل الفندق تحدث المدير عن مجسمات الخيول التي تزين ممرات الفندق الخارجية وتكلفتها المادية العالية والأجر الخرافي الذي حصل عليه مصصم هذه المنحوتات الجامحة المطلية بلون الذهب، وشرح المدير أهمية المدخل الأمامي لكل مبنى حيث من خلاله يتكون الانطباع الأول للزبون، وقال إن (الخيل) و(الذهب) يوحيان للزائر بأنه يدخل إلى قصر حقيقي، وإن هذه الرموز، وإن كانت تكلفتها عالية، إلا أن مردودها المادي والمعنوي كبير جداً، والمستثمر الذكي لا يشتري المنحوتة لجمالها فقط، ولكنه يشتري الرمز الذي تمثله والذي يحمل قوة الإيحاء بالوجاهة والثراء التي نقرأها ونراها في رسومات القصور على مر الزمان.

لكن الشاعر الذي كان يحدق من نافذة السيارة لم يلتفت كثيراً إلى مجسمات الخيول الجامدة، وكانت عينه تلتقط في الأفق سرب طيور يغادر باتجاه الشمال، ثم تبعه سرب آخر يمضي على نفس الاتجاه، واستغرب الشاعر من إصرار الطيور على مغادرة المدن الجميلة مع وجود كل هذه الحدائق والمنتجعات والمساحات الخضراء الشاسعة التي لم تكن موجودة من قبل في الإمارات، وتساءل مع نفسه: هل تحتفظ الطيور بذاكرة المدن كما هي، أم أن هجرتها الموسمية هي قدر لا بد لها من تأديته وإلا انقرض جنسها؟ وقبل أن يستغرق في تأملاته كان عامل بوابة الفندق وهو رجل طويل نسبياً وله ملامح إفريقية يفتح له باب السيارة مرحبا به بابتسامة ودودة.

في ردهات (القصر) المنحوتة من كتب الأساطير، كان وجه الشاعر ينعكس في رخام الأعمدة والأرضيات، وبالكاد كان يفرق بين ظله، وبين الوجوه التي جاءت من كل بقاع الدنيا لتلتقي في هذا المكان، لا لتتحدث مع بعضها، وإنما لتصمت ولتنزوي في نعمة الهدوء والسكينة والأمان، ثم حاول الشاعر أن يربط بين هجرة الطيور وهجرة البشر. بين الأسراب التي عليها أن تغادر مهما كانت روعة المكان، وبين الأفواج التي تتنقل بين الأمكنة ولا يشعر بمرورها أحد.

ارتمى الشاعر في غرفة الفندق تاركاً نافذتها مفتوحة على البحر، وسرعان ما اكتشف أن الشمس هي الأخرى بدأت تغادر، والمراكب أيضاً ابتعدت في الأفق وصارت نقاطاً سوداء على قوس أزرق، وقبل أن ينام استل الشاعر ورقة عليها شعار الفندق وكتب القصيدة التالية:

يغادر قلبي مع النوارس وأحلم أنني حر

جئت من أقصى الأرض أزحف كي أطير

أكتب حرفاً على رمال البحر

وحرفاً على سفن الرحيل

هذي عيوني تحدق في هجرة الطير

وفي سؤال المصير

أنا اليوم هنا وغداً هناك

ولكني بانتظارك في كل ميناء

وعند كل ناصية وكل رصيف

تعالي نغادر مرة كي نلتقي ألف مرة

الأرض بلا نهاية

ووصولنا هو المسير

khozam@yahoo.com