يواصل المهرجان الثقافي الخليجي الأول فعالياته في جامعة الشارقة صباح أمس، عبر ندوة الحركة الأدبية في دول مجلس التعاون بحضور بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعدد من أعضاء الوفود المشاركة في المهرجان، ونخبة من الأدباء والكتاب الإماراتيين والمثقفين والإعلاميين، قدم في هذه الندوة التي أدارتها الكاتبة باسمة يونس الأديب طالب الرفاعي ورقة عمل بعنوان «القصة القصيرة في الكويت.. لمحة تاريخية»، تحدث عبرها عن نشأة دولة الكويت، ومهد لتاريخية الحركة الثقافية وعلاقتها في التأسيس لفن القصة القصيرة.
مشيراً إلى أن أهل الكويت وحبهم التزود بالعلم والمعرفة، حيث صدرت مجلة «الكويت»، عام 1928 ، ومن ثم تم إنشاء إدارة المعارف عام 1936 لتبدأ بعدها حركة البعثات الدراسية إلى الخارج، وإصدار مجلة «البعثة» الناطقة باسم الطلبة الكويتيين الدارسين في مصر.
ورأى الرفاعي أن تصدير أول شحنة بترول من الكويت عام 1946 كان بمنزلة المنعطف الأكبر الذي انتقل بالمجتمع الكويتي من مجتمع صغير يعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة البحرية في موارده، إلى مجتمع يتملك الثروة القومية مما يؤهله لأن يأخذ بجميع سبل حياة المجتمعات الحديثة.
ومع تنامي الوعي والتواصل مع تجارب الآخرين من خلال البعثات الخارجية والمواسم الثقافية الداخلية التي كانت تنظمها إدارة المعارف، ازداد التوسع في إنشاء الروابط والجمعيات الثقافية الأهلية مما مهد لإنشاء دائرة المطبوعات التي تحولت إلى وزارة للإعلام عام 1958 وأصدرت العدد الأول من مجلة «العربي» ومن ثم استضافت الكويت المؤتمر الرابع للأدباء العرب، وفي ذلك دلالة على توجهها العربي وسعيها لتأسيس بنية ثقافية خاصة بها.
المراحل والملامح
بعد هذا التمهيد التاريخي للتحولات الاجتماعية الثقافية في الكويت، انتقل الأديب طالب الرفاعي إلى تطور القصة القصيرة داخل ومع هذه التحولات، موضحاً أن المتتبع لمسيرة فن القصة سيرصد خمس مراحل قصصية، ميلادها في المرحلة الأولى كان مع نشر قصة «منيرة» للأديب خالد الفرج عام 1929 في مجلة الكويت.
وهذا تاريخ سابق لتاريخ تصدير البترول، مما يعني أن فن القصة وليد ظرفيه الموضوعيين الثقافي والاجتماعي، وذلك دلالة على حيوية الحراك الثقافي في العقود الأولى من القرن الماضي، وعلى سعة اطلاع خالد الفرج على التجارب العربية من جهة وسعيه لتأسيس فن أدبي متصل بحياة الناس بقدر اتصاله بالفن والأدب، ودلالة أيضاً على أن القصة الأولى في الكويت جاءت بمنحى اجتماعي إصلاحي تنويري إلى جانب العلم وضد الخرافة، فاردة مساحة كبيرة لحضور المرأة وبنفس إنساني يتناسب مع تجربة كاتبها خالد الفرج.
مرحلة الريادة ـ كما يضيف الرفاعي ـ جاءت في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ومن أهم ممثليها فهد الدويري الذي نشر قصة «بين العدمين» عام 1941 في جريدة البحرين، وقصة «من الواقع» في مجلة الكاظمية عام 1948، وفاضل خلف الذي نشر قصة «من نكبات الدهر» في الكاظمية عام 1948، وفرحان الفرحان الذي نشر قصة «من الشارع» في مجلة البعثة عام 1950.
ويرى الرفاعي أن للصحافة دوراً بارزاً في تلك المرحلة بمد جسور التواصل مع الجمهور، مما ساهم في ارتباطها بتسارع وتيرة التغير الاجتماعي نتيجة تطلع الدولة لبناء هياكلها الأهم والتأسيس لحضورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الرسمي محلياً وخارجياً، وما يميز هذه المرحلة أيضا إطلالة أول كتابة نسائية عبر قصة نشرتها الكاتبة ضياء هاشم البدر بعنوان «نزهة فريد وليلى» في مجلة البعثة عام 1952، بالإضافة إلى أن أسلوب قصص هذا الجيل جاء موزعاً بين الواقعية والرومانسية مع أخذه المنحى الوعظي والتعليمي الذي يتواءم والوعي الشعبي في تلك الفترة.
مرحلة التأسيس
فترة الستينيات من القرن الماضي يمكن اعتبارها فترة التأسيس الواعي لفن القصة في الكويت ـ كما يقول الرفاعي، فالدارس لأعمال تلك المرحلة سيرى بالعموم فهماً فنياً عالياً عند ممثليها لأصول فن القصة القصيرة، مما يبتعد عن الوعظ والنصح ولغة الخطابة التقريرية، وينتقل إلى عوالم التجريب الشاسعة.
وقد جاءت قصص هذه المرحلة مشتملة على مختلف أساليب القص سواء بتقنية الراوي العليم أو عن طريق ضمير المتكلم أو ضمير الغائب، كما كان لتقنية الاسترجاع والحوار والمنولوج أو المشهد الحواري المسرحي والتقطيع السينمائي حضور كبير في قصص المرحلة التي من أهم ممثليها سليمان الشطي، عبدالعزيز السريع، سليمان الخليفي، وإسماعيل الفهد.
ويؤكد الرفاعي أن من أهم سمات هذه المرحلة أن ممثليها عاصروا بوعي عوالم كويت ما قبل النفط مثلما عاشوا مرحلة الانتقال إلى مجتمع الدول الحديثة وذاقوا رفاه وخيرات النفط، مثلما عانوا اضطراب وتشويش نشوء وتكون مجتمع الدولة الحديثة.
أما مرحلة الجيل الثالث التي تغطي فترة السبعينيات من القرن الماضي فهي كما يقول الرفاعي تمثل واسطة العقد في مسيرة القصة، فمعظم الكتاب اتصلوا بالرواد من جهة، وتتلمذوا على يد جيل التأسيس من جهة ثانية، وأفرز صوتهم الخاص بكتابة القصة مستوفية الشروط والنضج التقني، وقادرة على ان تحقق لنفسها حضوراً محلياً وخليجياً وعربياً بوصفها قصصا تقدمية هادفة تؤمن بوظيفة الفن الاجتماعي مع تواجد لافت للمرأة بما يوحي بقطف ثمار مجتمع الدولة الحديثة،.
ومن أهم ممثليها ثريا البقصمي، فاطمة العلي، وليد الرجيب، ليلى العثمان، وطالب الرفاعي، المرحلة الرابعة هي مرحلة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وفيها اكتسب فن القصة القصيرة انتشاراً أدبياً كبيراً وواسعاً على الساحة الثقافية في الكويت، وتجاوب نتاجات هذه المرحلة مع نتاجات قصص جيل التأسيس والجيل الثالث مع التركيز على أن ممثلي هذه المرحلة لفتوا الأنظار إلى كتاباتهم واستطاعوا أن يثبتوا تواصل عطائهم القصصي مما شكل منهم جيلاً رابعاً لكتاب القصة، ومنهم ليلى محمد صالح، حمد الحمد، عالية شعيب، ناصر الظفيري، منى الشافعي.
المرحلة الخامسة ـ يتابع الرفاعي ـ مرحلة اللحظة الراهنة وتماشياً مع سياقها التاريخي يمكن أن نطلق عليها مرحلة اللحظة الراهنة، وربما مثلت الاستقلالية المطلقة الصفة الأهم في انتماء جيل هذه المرحلة وكتاباتهم القصصية، فمثلوا هذه المرحلة وعلى الرغم من تواصل مع الأجيال التي سبقتهم إلا أنهم منتمون إلى هموم كتاباتهم الخاصة شكلاً ومضموناً، ويمكن الإشارة إلى أسماء مثل باسمة العنزي، ميس العثمان، هبة بوخمسين، مي الشراد، إستبرق أحمد، ويوسف خليفة.
ومما مر طرحه، يرى الرفاعي أن الساحة الثقافية في الكويت على اختلاف تجلياتها الإبداعية، كانت على الدوام وصلاً انسانياً وأدبياً وثقافياً بين أبنائها، وليس من حواجز أو قطيعة بين جيل وآخر، فجيل الرواد من كتاب القصة كانوا على تماس وتواصل مع الجيل التالي لهم، مثلما كان رموز الجيل الأول أصدقاء وأساتذة ومعلمين للجيل التالي، وثمة نقاش ولقاء وتبادل للخبرات حاضر باستمرار بين مختلف الأجيال الإبداعية.
وفي ختام الجلسة، دارت نقاشات عديدة تناولت تشابه النشأة بين دول مجلس التعاون، والتقاربات الثقافية والاجتماعية والتحولات الاقتصادية الاجتماعية وعلاقتها بالأدب عامة وفن القصة خاصة.
كما دارت نقاشات حول عنوان الندوة «الحركة الأدبية في دول مجلس التعاون» واقتصار الندوة على مداخلة واحدة عن القصة القصيرة في الكويت، وحوارات حول تطور القصة بعلاقتها بالبطل النموذجي ووصوله إلى حياة الناس العادية والأبطال الهامشيين، والكتابة النسوية، وحال القصة القصيرة الآن انطلاقاً من سطوة الرواية، والتباين الذي بدأ يظهر في تعدد أساليب الكتابة وتبلور تيارات كتابية خاصة في السعودية، وما بات يعرف بالكتابة النسائية.
الشارقة ـ محمود أبو حامد
