(غلام سائر في طريق يؤدي إلى مدينة كبيرة، وهي أمامه كتلة مظلمة من الحجارة المتناثرة، متشبثة بالأرض تئن وتتوجع، وكانت تبدو على بعد، وكأن حريقاً قد دمرها، فلهب الغروب ما زال منتشراً فوقها، وعلى صلبان كنائسها، يتوهج بلون الحديد الذائب).
رؤية هذه المدينة تضمنتها واحدة من القصص التي كتبها مكسيم غوركي في إيطاليا، خلال إقامته في جزيرة كابري بعد هجرته من روسيا في أثر (الأحد الدامي) عام 1905. وقد نشرت دار الهلال المجموعة تحت عنوان (مثير الشغب) عام 1968، بترجمة من (فوزي جرجس). وقصة (المدينة) واحدة من قصص إيطاليا التي انبعثت من السنّ الحديدية لقلم غوركي مثل شرارات أضاءت الليل الدامي لمدينة بطرسبورغ ومدن روسيا الكبرى التي كانت تختزن (النار الأزلية) بين أضلاعها القيصرية.
تبدأ المدينة بالظهور قي وقت الأصيل لبصر فتى (كمشهد من مشاهد صراع لا يفتر من أجل السعادة) مأخوذ بالعناصر الطبيعية الأصلية: الليل والقمر والصخور والموسيقى، وقد حولتها الرؤية المفاجئة إلى بناء مثالي يسمو على القوة والصراع المخبوء خلف الجدران والمصانع وأبراج الكنائس.
من هنا يعيد غوركي بناء المدينة الكبيرة التي تحرسها البنادق وتعمرها الأشباح، على أجنحة الخيال الموسيقي وشرارات اللفظ الشعري. فوجئ الموسيقار الشاب بالبناء يتصاعد إزاء وهج الشمس ـ الوهج الأزلي ـ ثم يخبو رويداً، فنسي كل شيء عن صراعها مع الزمن والطبيعة الذي تحكيه كل حجارة من جدرانها.
تظهر المدينة في خيال الموسيقار الشاب ـ ودَّ لو عبّر عن رؤيته بالموسيقى ـ كياناً غامضاً يتجه إليه وقت المغيب. إنها مدينة الطفولة والصبا والشباب (تظللها صلبان الكنائس)، لكنها الآن كتلة من حجر، تضم عالماً مجهولاً لذاكرته: (لم تعد المدينة تبدو وكأن الحريق قد دمرها والدم قد غطاها، وكان ثمة شيء غامض غير محدد يتعلق بالخط المتعرج الممتد بين الأسطح والجدران، وكأن هذا الذي بدأ في بناء المدينة الضخمة كي يعيش فيها الآدميون قد أصابه الملل وكفَّ عن العمل التماساً للراحة أو قد أُصيب بخيبة الأمل فيما بدأه من عمل، فتركه وذهب، أو فقدَ إيمانه ومات).
المدينة تتشبث بالأرض، تتملكها رغبة عارمة في البقاء والتألق: (هي تئن تحت وطأة توقان مجنون إلى السعادة، تؤججه إرادة الحياة الفياضة)). وكانت تزداد غموضاً واختفاء كلما اقترب الشاب منها ولفها الظلام. وكما بدت المدينة حلماً موسيقياً نائياً، ووجوداً حجرياً يقاوم الذوبان في الليل، فإنها ظهرت أيضاً لغزاً كبيراً ولحناً متلاشياً على وشك الانتهاء: (ماذا سيجد هناك ؟)
يتردد الموسيقار الشاب في العودة إلى مدينته، لكن إرادة الخيال ونار الموسيقى وغموض الليل تجذبه وتحجره في وسطها، وسرعان ما سيمسي حجراً موسيقياً يرسل ألحانه إلى أولئك المعذبين المصلوبين مثله بين الجدران.
يضعنا غوركي إزاء تجربة شعرية، قلما خاض مثلها في قصصه ورواياته، عندما يجعلنا نفكر معه (أو مع بطله) في استحالة التعبير عن (الموضوع) القصصي إلا باعتباره جزءاً من تجربة حية، أو قطعة تأملية منتزعة من مشاهدة بصرية. لذا يسود انطباع بأن نص غوركي هذا أقرب إلى التخطيط التمهيدي لمشهد طبيعي في حبكة قصصية أكبر وأطول.
ومهما كان اعتقادنا فإننا نحس تراجع المشهد الوصفي القصير أمام امتداد زمان اللحظة الرؤيوية، ويزداد إعجابنا لأن مثل هذا الانتقال الحلمي قد حدث في قصة من قصص غوركي المعروفة بتعبيرها عن الإرادة الإنسانية الفعالة في صراعها المميت مع قوى الطبيعة والمجتمع القاهرة.
إن قصصاً قليلة من قصص غوركي تسمح لنا بهذا الاستنتاج، وهو يقدم في قصة (المدينة) درساً خاصاً في التأمل الطبيعي، وتجربة نادرة يكشف فيها سراً من أسرار الإبداع القصصي، حين يقترن لغز الكتابة بغموض الطبيعة، وموسيقى السرد بموسيقى النفس الموشكة على الاختفاء.
في هذه الناحية، حثني التأمل في قصة غوركي على استرجاع صورة منسية لمدينة ترتمي على أطراف الريف، بمساعدة من لوحات عبد القادر الرسام (1882 ـ 1952) المشهور برسومه لضفاف دجلة، وعودة الرعاة إلى حظائرهم في وقت الغروب. أتذكر لحظة اقترابي من مدينتي، بعد انتهاء دوامي في المدرسة الريفية المتاخمة للدروب التي شرع الغروب يزحف عليها بمئات الأقدام المغمدة.
وخلافاً لمدينة غوركي، بدت مدينتي التي قُطع عنها التيار الكهربائي سريراً مفروشاً بدثار (العرس) الخادع، تُنتزع منه العرائس الفتية إلى عمق المسالخ تحت الأرضية. وما كدت أخطو خطوات على الدرب المؤدي إلى وسط المدينة، حتى بزغ القمر من وراء السطوح قرصاً أصفر شاحباً، ثم عجلة حمراء ملتهبة تخاتل القباب والمآذن بمرورها وتسحق الدور الهامدة بدورانها.
ضغطت هذه الصورة المنتزعة من عام 1978 على قلب المعلم الشاب، فبدأ يحلم بالنسخ المتوالدة لمدينة الولادة والنشأة، تدخل قرنها الهجري الرابع عشر، فيما تغادرها جموع المهاجرين والنازحين، وتغير عليها الجيوش والطائرات، وتغطيها أكوام القمامة. ما الذي حدث لكمان معلم الأرياف، بينما لحن شبابه يقترب من جزئه الأخير ؟
أحسُّ أكثر من أي وقت مضى ببقية اللحن المتصاعد بين الخرائب، متقدماً من الجبهة الصخرية لمدينة السرطان المنخورة بمئات الأسماء المنسية. تجتذب الأنفاس المتلاشية في الوتر المشحون بالآهات سرطان (باصورا) لكي يخرج لملاقاة العازف القادم من نص غوركي باتجاه مدينته في وقت الغروب. وفي طريقه سيبصر السرطان قطعان الجرذان التي اجتذبها مثله أنين الكمان مسرعة باتجاه النهر (هل تتذكرون حكاية عازف المزمار وانسحار الجرذان بعزفه؟) فالموسيقى وحدها، موسيقى (النار الأزلية) المرتحلة بين النصوص، من سيمنح المدينة اسماً بين المدن الخربة.