عقد نادي القصة بالقاهرة ندوة لمناقشة رواية الكاتب ممدوح الشيخ (القاهرة، بيروت، باريس) وأكد خلالها الكاتب خليل الجيزاوي أن عدداً كبيراً من الشعراء تحولوا في حقبة التسعينات إلى كتابة الرواية، ومنهم ممدوح الشيخ.

موضحاً أن هذا يؤكد أن الأدب العربي يعيش زمن الرواية، وأنه يحاول دائماً اجتياز المناطق غير المطروقة على مستوى الكتابة الفكرية الصحافية، ومن هنا تأتي روايته لتفجر إحدى القضايا الساخنة، وطرحها على مائدة النقاش.

وهي قضية طحن وتعليب لحم شهداء حرب المخيمات في لبنان وبيعها على أنها لحم بقري مجمد من قبل إحدى الشركات الدولية متعددة الجنسيات أو مافيا دولية مقرها الرئيسي في باريس وفروعها في بيروت باعتبارها المدينة الأكثر انفتاحاً وقابلية لامتصاص ذلك الآخر الغربي، وانتهاء بالقاهرة تلك المدينة القابلة لتحمل كل عذابات المجتمعات العربية.

وأشار إلى أن الكاتب نجح من خلال حركته في أحداث السرد الذي إمتزج بالشعر في إيصال رسالته المتمثلة في إعادة النظر في مصطلح العولمة، والكشف عما يستتر خلفها من أخطار محدقة ونيات مبيتة والمظاهر المختلفة لها سواء في المجال الاقتصادي، والتي تتبدى فيما يسمى بالشركات متعددة الجنسيات وحقيقتها وأهدافها، أو سياسية تحت ما يسمى بنشر ثقافة الديمقراطية وأية ديمقراطية تراد بالعالم العربي، وإنه ليس كل ما نسمعه يبشر بعالم فردوس موعود وإنما قد يبشر بخطر يحدق بالأمة كلها.

وأشار د. هيثم الحاج على أستاذ النقد والأدب جامعة حلوان إلى أن الانطباع الأول الذي يصل للقارئ عند قراءة عنوان الرواية أنه يجعلنا أمام ما يشبه السيرة الذاتية، أو رحلة بطل ما عبر تلك البلدان أو خط سير الأحداث أو تتبع فكر ما عبر هذه المدن الثلاث، حتى نفاجأ في نهاية الأمر من أن هذا التتبع معكوس، أي أنه كان ينبغي أن يبدأ ـ باريس، بيروت، القاهرة، عبر رحل تلك الشركة المتعددة الجنسيات، التي تقوم بتعليب تلك الأعضاء، عبر فكرة التطورات الاستعمارية.

حيث تبدو الرواية طارحة لأيديولوجيا لا تبدو على مستوى الخطاب اللغوي، وإنما في تتبع خيط واحد في الأحداث يؤدي بناء إلى اكتشاف حقيقة وجودنا حيال الآخر، الذي يتستر على نشاطه الحقيقي المشبوه خلف بعض هيئات المعونات والدعايات البراقة في تأكيد بأن العالم العربي مستهدف تحت دعاوى مختلفة من قبل الآخر الذي يوهمه بأنه ينتشله من مغبة الضياع والقهر أو بدعوى ما يسمي بتأصيل الديمقراطية على نحو ما يحدث في العراق الآن قتل المئات بل الآلاف!

خلفية تاريخية

وأوضح الحاج أن النص يعتمد على بنية تتابعية لخطوط حداثية متوازية تكون في النهاية، تلك اللغة التي تأخذ في أشكال الخطابات المتعددة، حيث يبدو النص وكأنه وحدة واحدة،وكأنها تؤدي شهادة على حالة تقوم شخصيات تلك الرواية بما يؤسس لفكرة اللامركزية الحدث الروائية وأن الكاتب عقد في روايته مقارنة ما بين رحلة بهي ورحلة أبي حامد الغزالي، وإنها لم تكن مجرد رحلة مكانية انتهت به إلى الوصول لبيروت والتجول في أرجائها.

وإنما كانت رحلة مراجعة متفاعلات فكرية على نحو ما فعل الغزالي في كتابه ـ المنقذ من الضلال ـ الذي دون فيه خلاصة تجربته، التي خرج منها بنوع من اليقين الإيماني والحضاري، بينما قام البطل بإعادة النظر في مصطلح العولمة، ما تبشر به من نشر ثقافة الديمقراطية في العالم العربي، وأن كان يعبر حقيقة عن دلالته أم أنه نوعاً من الخديعة والزيف لاستيلاب ثروات العالم العربي والسيطرة عليها.

أما د. حسام عقل أستاذ الأدب العربي جامعة عين شمس فأكد أن النص يبدو فيه الانفتاح على العديد من العوالم ذلك مما جعله قابلاً لاستيعاب العديد من الخطابات، منها ما هو سياسي وتاريخي وثقافي وشعري واستعماري وأيديولوجي، لتنتج عنه خطاباً جديداً يدخل في تكوين هذه الرواية، مشيراً بالأداء اللغوي الذي اعتمد فيه الكاتب على تقنية الأداء الكنائي أو تقنية التجاور واستخدام الجملة المفتاح في آخر المقاطع المفصلية البارزة، والتي يبدأ القارئ من خلالها في جمع الخيوط المبعثرة للوصول إلى الرسالة المقصودة .

وأشار إلى أنه يبدو جلياً نجاح الرواية بالمقاييس الفنية في الالتحام بالواقع المصري خاصة والعربي عامة، والدخول في منطقة بكر عبر مصطلح العولمة ومظاهره المختلفة إعادة النظر إليه بنوع من الارتياب للكشف عما يستتر خلفه من أخطار ونيات مبيتة . كما أن الكاتب نجح في براعة وحنكة في بناء رواية متماسكة ونغمة التصعيد في الإيقاع للأحداث أو إبطاؤها في لحظات التأمل الفلسفي.

إلا أنه انتقد المبالغات الدرامية التي تبدو بعد اكتشاف البطل حقيقة تلك اللحوم البشرية واستغلال عمليات حصار المخيمات ومجازر صبرا وشاتيلا والجثث، التي تعالت واستخدمت بعض لحومها في تعبئة لحوم الأبقار كمنتج تجريبي وانتهاء المشهد بنوع من القيء فيبصق في وجه محدثه.

القاهرة ـ نهال قاسم