ليس من باحث في المسرح، ألا وذهب إلى ان النص المسرحي المكتوب، هو عمل ناقص، لايكمل ألا على خشبة المسرح، حيث يدخل ورشة العرض المسرحي، والعرض المسرحي صناعة تبدأ من قراءة النص المكتوب، وتتوسع وتتفرع في مفردات عديدة تهدف إلى تجاوز النقص في النص المكتوب ومن ثم بعث الحياة فيه.

وإذا كانت الكتابة المسرحية، قد استمرت لزمن طويل، متشبثة بثوابتها، وان متغيرات النص المسرحي، ظلت محدودة وبطيئةً، والتصق النص المسرحي بمواصفات النصوص الإغريقية الأولى، كما التوأم السيامي، إلى أن بدأت عملية الانفصال بين النص المسرحي ومواصفاته الإغريقية، بعسرٍ شديد،

كما حدث ويحدث في فصل التوأم السيامي، فإن الصناعة المسرحية بجميع مفرداتها، كانت أكثر حيوية وأسرع في الاستجابة للمتغيرات الاجتماعية واقدر على التعبير عنها، وكانت الأجدر بتوظيف المستجدات العلمية والتقنية في التطوير والتأثير والإبهار.

ان المسرح، ليس النص المسرحي، والنص المسرحي، يعد من اجل العرض والمشاهدة، لذا كان الكاتب المسرحي، هو المخرج، وان الملاحظات التي يثبتها كتاب النصوص المسرحية، على هامش النص، وهي في مجملها تتعلق بالعرض وليس بالقراءة، تحيلنا إلى حقيقة،

ان كاتب النص المسرحي، يرى نصه وهو في مرحلة الكتابة، مشخصاً على خشبة المسرح، وهذا ما يشير إليه عادل كاظم، وهو كاتب مسرحي، جرب الإخراج في قوله: «إنني أرى المشهد لحظة كتابته».

غير ان المخرج جاسم العبودي يوحد بين القراءة والعرض إذ يقول: «أرى في القراءة أحياناً ما لم أكن رأيت في عرض مسرحي، لمسرحية شاهدتها على المسرح، وقرأتها أو أعدت قراءتها بعد حين».

ومن المؤكد أن قراء النصوص المسرحية، وجدوا منذ أن أصبحت هذه النصوص، تطبع، كما تطبع بقية الأجناس الأدبية، بدليل أن بعض المسرحيات، في معظم أنحاء العالم، طبعت في عدد من الطبعات، وان المكتبات العامة منها والخاصة تتوفر على آلاف المسرحيات المكتوبة، باللغة القومية أو المترجمة عن لغات أخرى.

لطالما أحسست بمتعة في قراءة النصوص المسرحية، لا تعادلها المتعة التي أحسُ بها، في قراءة أجناس الكتابة الأخرى، ذلك أن قراءة النص المسرحي، تشترك فيها جميع الحواس، وتحول القراءة إلى فعل ينقل النص من ثبات الكتابة إلى حركة التشخيص أبطالاً وأحداثاً وأمكنةً.

أنها قراءة من مستوى خاص، تقود فيها المخيلة التي تختزن كل معارف القارئ، وعيهُ وتشترك معه في عملية نقل المكتوب إلى المشخص، فالقارئ يتقمص دور المخرج ويعيش انفعالات المشاهد واستجاباته، ويشارك الأبطال حياتهم، من هنا، كانت قراءة النصوص المسرحية، بحاجة إلى دربة وصبر واستعداد للتركيز وقدرة على متابعة التفاصيل، بل ان يتعلم كيف يقرأ أكثر من نص في ان واحد.

أنها قراءة بقدر ما ترهق، فهي تحرك وتستفز، ولطالما لجأت إلى قراءات مكثفة في النصوص المسرحية، كلما أحسست بعزوف عن الكتابة الشعرية، فتعينني على إغواء القصيدة وترويضها وقنصها، أو هكذا كنتُ أحس.

وكان الجواهريُ الكبيرُ، يقرأ المسرحيات المترجمة بنهم كبير، وكنت أوفر له الكثير منها، أيام كنا جارين في حي الداودي ببغداد في سبعينات القرن الماضي، وقال لي يوماً وهو يعيد لي عدداً منها، بعد أن انتهى من قراءتها:أين نحن من هذا الإبداع العظيم؟ قلت له: أنت تقول هذا يا أبا فرات؟ فماذا يقول أمثالي؟ ولم يكن أيام ذاك قد صدر لي سوى مجموعة شعرية واحدة.

فأجابني: والله. . أقولها صادقاً

ويبدو أن علاقة الجواهري، بالنصوص المسرحية قديمة، حيث أشار بوضوح، إلى مسرحية غوته(فاوست)في قصيدته التي شارك بها في حفل تكريم الأخطل الصغير ببيروت في أوائل الستينات، وتمثل أحداثها في عدد من أبياتها.