جدد الكاتب والروائي التركي (الكردي الأصل) يا شار كمال تأكيده على هويته الكردية وتمسكه بها ونقلت صحيفة حريت التركية الواسعة الانتشار حواراً قصيراً بين الروائي يا شار كمال والكاتب التركي دوغو برنجك خلال مراسيم دفن الكاتب التركي سميح بالجي اوغلو .

حيث بادر دوغو برنجك المعروف بتعصبه ومواقفه السلبية من الأكراد وحقوق الأقليات في تركيا عموماً، إلى مخاطبة الكاتب يا شار كمال قائلا: «تقول دائما أنك كاتب كردي وفي أكثر من حوار ولقاء هل أنت كاتب كردي أم انك كاتب تركي؟».

يا شار كمال: أنا كاتب كردي ولم أنكر يوما هذه الحقيقة. «ولكنك كاتب تركي لأنك تكتب باللغة التركية يعقب دوغو برنجك» يا شار كمال: لغتي الأم هي الكردية يرد عليه دوغو برنجك: تقول إن لغتك الأم هي الكردية ولكنك لا تكتب روايات باللغة الكردية!

يا شار كمال: الكردية هي لغتي الأم وأفهمها جيداً واتحدث بها بشكل لا بأس ولا احتاج إلى أكثر من أسبوع للكتابة باللغة الكردية لو أن والدك صادق بك كان علي قيد الحياة لكان قد أوضح لك هذه الحقيقة ومن المعروف عن الروائي العالمي الكبير يا شار كمال انه تمسك دائما بتركيا كوطن للشعبين الكردي والتركي وأكد انحيازه الدائم إلى تركيا ديمقراطية تكون وطنا حراً للجميع.

ولد يشار كمال عام 1923 من أبوين كرديين وفدا من منطقة قرب بحيرة وان، إلى منطقة جقورفا، هرباً من الجيش الروسي، حيث استقرا في قرية حميدة التركمانية، الواقعة في جنوب الأناضول، في منطقة أضنة. عاش يشار كمال في بيئة فقيرة.

في الرابعة والنصف من عمره، شهد مقتل والده في الجامع، عد أداء فريضة الصلاة، من قبل أخيه بالتبني. الصدمة جعلته يتأتئ في الكلام، حتى أتم الثانية عشرة من عمره. ومما يثير الدهشة والاستغراب أنه لم يكن يتلعثم أثناء الغناء، الشيء الذي حثه على ارتجال الغناء منذ نعومة أظفاره، الغناء على شاكلة الغناء التقليدي الشعبي في الأناضول.

حبه للشعر كان الدافع الأقوى له، لتعلم القراءة والكتابة، ليتسنى له تدوين ما ألفه من شعر. بيد أنه لم تكن توجد مدرسة في قرية يشار كمال، مثلها، مثل 95% من القرى التركية. مما أجبره وهو في سن التاسعة على أن يسير يوميا إلى المدرسة في القرية المجاورة.

غادر مع عائلته القرية فيما بعد، إلى بلدة قادرلي، حيث أتم هناك المرحلة الابتدائية. فكان يشار كمال أول سكان قرية حميدة ممن أتموا المرحلة الابتدائية. بعد تركه للمدرسة، مارس العديد من الأعمال، حتى أنه لم يعد يتذكرها كلها،

فعمل كعامل في حقول القطن والرز، درس في المدرسة لفترة ما، ثم عاد إلى الزراعة مرة أخرى كسائق حصاده، سافر إلى اسطنبول، عندما كان يعمل في إحدى شركات الغاز، ثم رجع إلى بلدة قادرلي، ليشتري آلة كاتبة، وليعمل كاتب عرائض.

وفي «أضنة» تعرف على أسرة «دينو» عارف الذي يقاربه في السن، وشقيقه عابدين الرسام المعروف، وقد قاده عارف إلى الأدب، فأهداه رواية «دون كيخوته» التي يعتبر يا شار أنها الكتاب الذي مارس التأثير الأكبر والأبكر على جميع قراءاته اللاحقة. وعرفه على شعر ارتور رامبو.

أما عابدين دينو فقد عرفه على الأفكار الاشتراكية، وقدم له البيان الشيوعي في نسخة مخصصة للتداول السري، وأما ما تبقى من أفكار اشتراكية تتلمذ عليها فقد وصلته بطريقة المشافهة أو عن طريق الدروس الثقافية في اجتماعات الحلقات السرية.

ومنذ سن السابعة عشرة قرأ يا شار ترجمات لروائيين عالمين من أمثال زولا، موليير، هيجو، تولستوي، تشيخوف، غوركي، غوغول، شكسبير، وغيرهم. خلال الفترة التي قرأ يشار كمال كل كتاب وصلت إليه يداه، صادق العديد من المفكرين، ممن ساهموا في تبلوره الثقافي. كتب أول قصة له عام 1947، في عام 1950 عاد إلى اسطنبول ثانية،

وبعد فترة مضنية من البحث عن عمل، نجح في الحصول على عمل كمراسل صحافي في أهم جريدة يومية في اسطنبول «الجمهورية» جمعت مقالاته في كتاب. والذي نال لاحقا جائزة رابطة الصحافيين لأحسن تحقيق صحافي في السنة. في عام 1952 نشرت مجموعته القصصية الأولى تحت عنوان «قيظ أصفر» ثم كتب أنجه محمد «محمد يا صقري» التي نشرت عام 1955،

ولاقت إعجاباً منقطع النظير في تركيا وخارجها. وحازت عام 1996 في تركيا على جائزة «فارلك» الحديث العهد كأحسن رواية للموسم، ثم اختيرت في العام التالي كأثر رواية محبوبة، في اقتراع أجري بين القراء في جميع أنحاء تركيا. الكتاب حطم الكتاب رقماً قياسياً في المبيعات في تركيا وخارجها. كما ترجم الكتاب إلى الثلاثين لغة.

نظراً لكتابات يشار كمال النقدية ذات التطلع التغيري الرافض للأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية، تم اعتقاله عام 1971 اثر الانقلاب العسكري، بعد ذلك تكررت حملات التضييق والملاحقة القضائية عليه، لذا نجده يهجر العمل السياسي المنظم ويتفرغ للكتابة الإبداعية التي تعتبر بحد ذاتها عملاً سياسياً ـ بالمعنى الواسع للكلمة ـ ومؤثرا فاعلاً، لكن بلغة تنفس التمرد الهادي لدى القارئ وتنمي روح التآلف والتواصل والتفاهم.

وكانت مجلة «دير شبيغل» الألمانية الرصينة قد نشرت عام 1995 مقالة مطولة له أكد فيها انحيازه إلى قضية شعبه الكردي في تركيا. ياشار كمال يروي الحياة والسهوب الواسعة والحقول المكتنزة والأراضي الترابية الشاسعة حيث الغبار وحر الشمس. هناك يعيش الرعيان حياة الحرية البدائية جنباً إلى جنب الخيول والأبقار والأغنام والدواجن والطيور والحجل والجبال العالية والأحلام المستحيلة تقريباً

إعداد وترجمة: مروان علي