كنت قد كتبت في بداية الثمانينات قصة عن شخص كان يعاني من تحول اسمه إلى رقم.. وهو ما ينعكس على حياتنا بشكل مباشر، لو كل واحد منا تأمل ملياً وضعه الحالي، فسيجد أن الأرقام حلت مكان أسمائنا في الكثير من المناسبات، ففي الامتحانات الوزارية يتحول الطالب إلى «رقم ممتحن»، وكل معاملة تدخل لأي دائرة حكومية تتحول إلى رقم تطالب به عند المراجعة، ويستمر مسلسل الأرقام في أن يتحول كل شيء في حياتنا إلى نظام رقمي بما في ذلك الأجهزة الإلكترونية وكاميرات التصوير.
تصور كيف يمكن للإنسان أن ينسى اسمه ويتحول إلى رقم، حتى في دوائر الهجرة حيث يأخذ كل مقيم رقما تعريفياً دون الاعتماد على اسمه المسجل، إذن هي معاناة معاصرة.. أن نتحول إلى أرقام، كأن يكون بدل اسمك رقم، فتناديك أمك بهذا الرقم، ويناديك أبوك وأخوك وأهلك وذووك، أين ذهب الرقم «كذا» وكيف تصرف الرقم «كذا» .
وربما تحبك فتاة تحمل رقماً هي الأخرى، إذن كيف ستناجيها وتناجيك بلغة الرومانسية، فبدلاً أن تدعوها «ليلى» تناديها برقم «مليون ومئة وخمسون ألفا وتسعمئة وثلاثون» وترد عليك، وبدلاً من أن تناديك باسمك «قيس» تنادي «بعشرة ملايين وسبعمئة ألف وأربعمئة وخمسة وتسعون» كيف يمكن لشاعر مثل مجنون ليلى أن يكتب تلك الأشعار الرومانسية بهذا الرقم الطويل، والمقيت والمقزز إذن هي أزمة أن نتحول في العصر القادم إلى أرقام بدلاً من أسمائنا التي نتفنن في إيقاعاتها ونحن نختارها لأولادنا.
إلى جانب تضخم الأرقام في حياتنا، تضخمت الأوراق على الرغم من الدعوة لإلغاء الورق والاستعانة بالكمبيوتر «وهي مصيبة ستكون أكبر»، الورق ظل هو الأساس في حياتنا، منذ الولادة، بل ويرتبط بحياتنا اليومية، ولا يتركنا حتى ونحن ننتقل إلى العالم الآخر، وبذلك ترتبط كل الحياة بالأرقام والأوراق، حتى تصبح جزءاً من حياتنا ووجودنا، وإلغاءها إلغاء قانونية الوجود أو التواجد، وقد نتعرض إلى ما لا يحمد عقباه إذا ما فقدنا أرقامنا المتعددة الأغراض وأوراقنا مختلفة المهمات.
حينما نولد نزود بشهادة ورقية وعليها رقم، ثم ننمو فنحتاج إلى أوراق تطعيم في المستشفى، وأوراق دخول إلى المدرسة، وورقة نجاح لكل مرحلة وشهادات تخرج، وشهادة للجنسية وشهادة ولادة، وشهادة تطعيم ضد الأمراض العديدة، وشهادة حسن سلوك، وما أن نشتري عقاراً أو حتى راديو فلك أن تأخذ إيصالاً أو أوراقاً ثبوتية لملكية العقار أو السيارة.
وفي البنوك نحتاج إلى أوراق كثيرة، ويزودك كل شهر بكشف حساب، ودائرة الكهرباء ترسل لك فاتورة استهلاك الكهرباء والمياه، وهكذا دواليك كما يقولون إلى أن يأتي يوم لا بد منه، وترحل لكن لا ينتهي مسلسل الأوراق، فلا بد من إصدار شهادة وفاة ومن ثم يبدأ الورثة في استصدار مجموعة من الأوراق عنك لتوزيع التركة إن كنت تملك مالاً، وهكذا تصبح الورقة لصيقة بحياتنا والرقم بديلاً عن أسمائنا وذواتنا.
لا أريد أن أعقدك وأزعجك، لكن خذها من باب الطرفة المسلية، وبين الحين والآخر تذكر أرقام التعريف بشخصك، فتجد وضعاً عجيباً غريباً مضحكاً حد البكاء، وإذا ما حاولت أن تجمع أوراقك منذ ولادتك وحتى مرحلة ما من مراحل حياتك فستجد أن عددها يفوق عدد الكتب التي قرأتها وتعلمت منها، وستجد أن الأرقام تلاحقك، حتى تصبح كابوساً، والورقة تصبح بعبعاً مخيفاً فلا بد أن تحافظ على هذه الأوراق، والويل لك لو فقدت ورقة منها أو كلها فلا بد أن تتوقع من السوء ما لم يمر بحياتك، جرب وافقد واحدة من أوراقك وحاول أن تجد بديلاً عنها أو تستغني عنها، أو ما ذا يحدث لو نسيت رقمك السري على ATM كيف إذن يمكنك السحب من حسابك.
أحياناً أداعب نفسي بما حاولت أن أداعبك به، ولنضحك معاً.. نضحك.. نضحك.. من شدة الحزن.