مفردة واحدة لا تتعدى عدة أحرف في اللفظ العربي وكذلك الحال في أي لغة من لغات العالم ولكن هل يعرف أحد كم حوت وستحوي هذه المفردة من أخبار وقصص وأعلام وآداب ووجوه منذ بداية الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؟ بطبيعة الحال لا أحد يعلم إلا رب العالمين .

فإذا كانت هذه المفردة بهذه العظمة والضخامة أليس حريّا بنا أن نقف وقفة إجلال لها وندفع الغالي لكي نحافظ عليها لأنها حوت ما قبلنا وستحوينا ومن سيأتي بعدنا أبد الآبدين. ولكل منا مسؤولية أمام هذه المفردة العظيمة ملقاة على عاتقنا يجب ان يؤديها بأمانة ألا وهي الحفاظ عليها رواية ونقلا وحفظا وتثبتا وتدوينا .

لأنه لم يكتب التاريخ إلا ليستفاد منه كما يقول العلامة ابن المقفع ، ولترويه الأجداد للأحفاد حتى لا تتكرر الأخطاء ويعرف كيف يتعامل مع الأحداث في إباّنها. وتأتي صفحة باب المعارف هذه من باب الحفاظ على هذا التاريخ الجميل تاريخ جزيرتنا العربية التي ينقصها تاريخ كامل مدوّن ، ولكن للأسف لا يوجد هذا التدوين وإنما يوجد بعضه مفرقا هنا وهناك في بطون الكتب أو في صدور الرجال التي يوشك أن تنساه .

هذا وقد أحببت أن أبدأ بتاريخ تحول الفصحى إلى العامية وكيف غابت عن الجزيرة العربية فدعونا نبحر معكم .

لهذا الفصل شؤون وشجون، ولكن لا مناص مما قدّر الله ولا مفر، لأن فساد لسان مضر كان مصيبة دهمت الأمة العربية وأبعدتها عن حياض تراثها القديم وأحوجتها إلى تعلم العربية كما كانت الأعاجم تتعلمها من العرب ودور المساجد ، فلا شيء أشد من هذا على النفس وهو أن أجدادك ورثوا العربية ورضعوها من مهدهم ولم يحتاجوا إلى قراءة كتاب سيبويه ولا مؤلفات الزجّاج ولا ابن جني ولم يرجعوا إلى معجم العين ولا قاموس الفيروآبادي.

ولم يقرأوا كتب البلاغة بل كان كلامهم حاوياً لأساليب البراعة والبلاغة والبيان، وهم يعلمون حركات الإعراب وأوزان الشعر قبل نحو سيبويه وعروض الخليل، أقول هذا وأنا أشعر بالأسى مما أصاب ألسنتنا ولكن هذا واقع مفروض لا نستطيع تغييره وتبديله ولولا كتاب الله الذي يتلى ليلاً ونهاراً لضاع لسان مضر إلى الأبد، هذا اللسان الذي أنزل به كتاب الله العزيز .

لقد تغيرت ألسن العرب الأقحاح وتبلبلت وانتشرت العامية واستبدلوا بالفصيح لهجات العامية التي لم تبتعد كثيراً عن الفصيح وإنما حامت حولها وعلى ميراثها عاشت بين أهلها فيما بعد.

إن العامية ورثت الفصحى في الجزيرة العربية،وترك أكثر الناس الفصحى لأنها تحتاج إلى تعلم قواعد نحوية وصرفية ولهذا ابتعدوا عنها واشتغلوا بلهجتهم التي يعرفونها بدون إعراب ولاصرف.

ومنذ القرن الخامس الهجري تقريباً إلى عهدنا هذا احتلت العامية المرتبة الأولى في الجزيرة ولم يكن يقرض الشعر إلا بها إلا فيما ندر.

وعلى هذا تكون الأحداث والأخبار والقصص وتاريخ المنطقة حفظت في العامي ولم تحفظ في الفصيح لقلته، ولهذا السبب تظهر أهمية الأشعار النبطية لكونها ديوان العرب الذي يُرجع إليه وسجلُّ تاريخهم المتأخر، فهم أميّون، وكثير منهم لا يعرف القراءة والكتابة إلى عهد قريب فلا مجال لهم لتسجيل الأحداث والأخبار إلا بالأشعار، وهم لا يعرفون إلا النبطي فلا يستطيعون قرض الفصيح فاستودعوا ثقافاتهم المتعددة في هذه الأشعار على مدى تسعة قرون ماضية.

ولا سبيل إذن للحط على هذه اللغة أو الاستهانة بها فهي مستودع لتاريخ المنطقة وكتاب حياتها، يقول عبد الله بن خميس: «ربما تقول ما أنا واجد في دراسة شاعر شعبي غير ما يحمله هذا الفن من سطحية في التفكير وعامية في التعبير ومعانٍ مبتذلة سوقية قد تكون هذه نظرتك إلى هذه الدراسة من أول وهلة كما هي نظرة بعض قراء هذا العصر ولك بعض العذر حينما تنساق وراء هذه النظرية، لأنك لم تكلف نفسك عناء البحث ولم تحملها على أن تدرك أين يقف أدبك الشعبي من تاريخك ومجدك وعاداتك وتقاليدك .. وما هو النسب الذي يربطه بأدبك الفصيح وتراثك الخالد.

ثم أيضا لك بعض العذر لأنك لم تفتح عينيك منذ أن شدوت على دراسات مستوعبة تحمل طابع التشويق ومقومات البحث العصري المستطرد لتعينك على فهم هذا الجانب وتشدك إليه ولكن هل يكفي هذا عذراً لنشء يفرض عليه الزمن إثبات وجوده وتحديد موقفه من قضايا وطنه التاريخية والأدبية والاجتماعية واستيعاب ما يمكن أن يستوعبه عن حياة أمته ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟!» .

فالآداب الشعبية حلت محل الآداب العربية القديمة وقامت بدورها وصنعت مثل ما صنعت الأولى لمدة طويلة جداً فلا نستطيع أن ننكرها أو نرميها في البحر كما ينادي بعض الناس.

نحن نريد من الباحثين أن يدرسوها ويغوصوا في آدابها وأشعارها لكي يتسنى لهم معرفتها عن كثب واستخلاص نتائج بحوثهم عن سبر دقيق لا عن قذف من بعيد بدون دراية ولا رواية. وأنا وإن كنت من المدافعين عن حقوق اللغة العربية وآدابها وإنها هي أجدر بالبحث والتحرّي والحفظ إلا أني ولدت في هذه المنطقة ولغتي من لغتها وعاداتي من عاداتها.

فلا أستطيع أن أتناسى قومي وعاداتي ومحفوظاتي الشعرية النبطية التي حفظتها عن آبائي وأجدادي ولا أستطيع ألا أنشد إن حصل موقف ما أبياتاً نبطية في موضوعها، هذا ما لا أطيقه. وقد يسهل على شخص غريب عن الجزيرة أن لا يهتم في هذا الشعر لأنه غريب عنه ولا يعرفه بل لا يفهم معناه.

ويمكننا إجمال سبب اهتمامنا بالنبطي بأمرين:

الأول: حبنا لتراث آبائنا وحفظنا لها منذ الصغر، والولد مطبوع على حب ما يحبه أهله.

والثاني: دراستنا للعامية لا تؤثر في لغتنا العربية التي تعلمناها بل هي تزيدها متانة ونقاءً وتدلنا كذلك على تاريخ يكاد يكون مفقوداً الا فيما تفرق من الكتب.

ولا أريد أن أنفي عن الجزيرة وجود شعراء للفصحى فيها، بل خرج شعراء فحول يضاهون شعراء العرب الأوائل، ولكن أردت أن أشير إلى كثرة المشتغلين بالنبطي وقلة المشتغلين بالفصيح في الجزيرة العربية خاصة لغلبة الأميّة على أبنائها منذ زمن بعيد.

نبوغ شعراء كبار في الجزيرة في الشعر العامي

كل الفنون يكون فيها القوي والضعيف والرائق الجميل والمكدر الركيك، والشعر فن من هذه الفنون الكلامية، فستجد في شعراء العرب الأوائل شعراء فحولاً فاقوا أقرانهم وغلبوهم مثل امرئ القيس وطرفة بن العبد والنابغة الذبياني وجرير والفرزدق وحسان بن ثابت، وستجد من يأتي دونهم في المرتبة كعبيد بن الأبرص والحطيئة ونابغة بن جعدة وعمرو بن امرئ القيس، وهذا التفاوت يرجع الى فصاحة الشاعر وبلاغته ومعرفته بأسرار الكلام وموهبته الشعرية التي نشأ عليها.

والشاعر المطبوع يختلف عن غيره من المتكلفين والفحل من المطبوعين يختلف عن غيره من المطبوعين وهذه درجات قسّمها خالق الخلق، قال تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} ألا ترى طرفة يعيب خاله المتلمّس عندما قال:

وَقَدْ أَتَلاَفَى الهَمَّ عِنْد احتضارِهِ

بناجٍ عليهِ الصيعريّة مُكدمِ

فقال طرفة وكان صغيراً «استنوق الجمل» لأنه وصف الجمل بوصف ناقة، وهذا لبيد بن ربيعة وهو صغير وأعمامه كلهم شعراء مجيدون وكانوا جلوساً عند المنذر وبينهم رجل كان ذا حظوة عنده فقال لبيد:

مَهْلاً أَبيْتَ اللعْنَ لاتَأْكُلْ مَعَهْ

إلى آخر ما قال ، مما جعل النعمان يقرف من هذا الرجل ويطرده من مجلسه، وهذا دليل على نبوغ الشعراء منذ صغرهم إذ لا يقوى عليه كل أحد وكما قيل في المثل العامي: «لو كل من أتى ونجر، لما بقي في الوادي شجر». فالشعراء يتفاوتون حسب أذواقهم وثقافاتهم ومعرفتهم باللسان وقوة سليقتهم الشعرية.

ومثل الشعر الفصيح الشعر النبطي لا يختلف عنه في شيء فإنك تجد شاعراً قال ألف قصيدة لا تجد فيها ما يغني ولا يسمن من جوع، وتجد آخر يقول قليلاً وفيها من سحر البيان ما فيها.

ولهذا ظهر التفاوت وظهرت الطبقات الشعرية بين الشعراء فهناك طبقة عليا وهناك وسطى وهناك طبقة سفلى، وقد أجاد أحدهم عندما قسّم هذه الطبقات فقال:

والشُّعَراءُ فَاعْلمنَّ أَرْبَعهْ

فَشَاعرٌ يَجْري وَلا يُجْرى مَعَهْ

وَشَاعِرٌ يَخوضُ وَسْطَ المَعْمَعهْ

وَشاعِرٌ لا تَشْتَهِي أَنْ تَسَمْعَهْ

وَشاعرٌ لا تَسْتَحي أَنْ تَصْفَعَهْ

وأردت أن أشير إلى أن هذا النبوغ راجع إلى الطبع والموهبة أولاً وإلى صقل المواهب ثانياً، فالطبع وحده لايكفي ليكون الشاعر فحلاً بل لابد من صقل موهبته بالثقافات المختلفة والآداب، ومعرفة أيام العرب، وقصصهم وأمثالهم، وبغير هذا لايتم للشاعر ما يريد. والمتتبع لأشعار النبطين الأوائل سيجدهم على دراية تامة بأمثال العرب وقصصها وتاريخها ومعرفة النجوم وأنواع الرياح والسحاب والسفن والسلاح وكيفية الصيد إلى غير ذلك.

وهذا كله يزيد في ثقافة الشاعر ويرفعه عن غيره. وسأورد في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى ترجمات لبعض كبار شعراء النبط في الجزيرة العربية.