الشيخ الكريم ابن الكريم صاحب الفضل المعروف والتقى المشهور الذي جعل من حكمه سبيلا الى الآخرة وجعل من نفسه والدا للجميع لا يضام من هو في كنفه ولا يرد السائلين وإن كثروا يعطي وينفق حتى يقال أنه من كثرة إنفاقه لا يبقي لنفسه شيئا مما جعله علامه مضيئة في تاريخ الامارات .
ولد في دبي سنة 1878م في حكم جده الشيخ حشر بن مكتوم بن بطي ونشأ كما ينشأ آل مكتوم على الأخلاق الطيبة والسمت الحسن والكرم والشجاعة ، وعرف من صغره بالتقى والورع حتى صار مضرب المثل فيه كما قال العقيلي ...
هنيت يا اللى ما رمي بالعذاريب
من صغرته والنفس ما صابها اعجاب
هنيت ياللى قايمٍ بالمواجيب
للجارالادنى والاقارب والاصحاب
وفي سنة 1894م تولى والده الشيخ مكتوم بن حشر الحكم بعد وفاة الشيخ راشد بن مكتوم وبقي حاكما الى سنة 1906م عرف خلالها بالعدل وحب الخير وحسن السيرة بين الناس وكان يقرب العلماء والأدباء وكان ذا شجاعة ومهابة ومنه ورث الشيخ سعيد هذه الصفات ، وكان من الطبيعي أن يخلف أباه في حكم دبي ولكنه في ذلك الوقت لم يزل صغيرا.
ولهذا اختار آل مكتوم الشيخ بطي بن سهيل ابن عم الشيخ مكتوم أن يخلفه على إمارة دبي وهكذا حكم الشيخ بطي الى 19 ذي الحجة سنة 1912م وتولى من بعده الحكم الشيخ سعيد بن مكتوم الذي قام بأعباء هذه المسؤولين العظيمة خير قيام وقد شهد الناس جميعا على أن هذا الرجل كان أحد القادة العظام الصالحين .
نهج الشيخ سعيد في حكمه نهج العدالة وأشاع التسامح والخير بين الناس وآحبه القاصي والداني وتواترت عنه قصص الكرم والطيب والدين الذي بلغ فيها مبلغا لا آعرف حاكما بلغه في زمنه .
كان رحمه الله لا يعرف أن يرد سائلا ولا يقول ''لا'' لطالب حاجة بل يعطي عطاء الواثق بالله أن الله سيعوضه مع قلة الأموال وشح مصادر الدخل آنذاك.
يُذكر أن سائلا جاءه في حاجة له فقال : ''عد إلينا في وقت آخر'' . فقال رجل كان في مجلسه لماذا لا ترده عنك، فقال له الشيخ سعيد: ''اليوم لا أستطيع تلبية حاجته وعسى الله آن يعينني على قضاء حاجته عندما يعود لي ''.
فهو كما قال الشاعر:
هو البحْرُ من أيِّ النواحي أتيتهُ
فلجته المعروفُ والجودُ سا حلهْ
تعوّد بسْط الكفِّ حتى لو أنهُ
أرادَ انقابضا لم تطعه أناملهْ
وعن ورعه وتقواه فحدث ولا حرج فقد سارت الركبان بسيرته العطرة وكانوا يتسامرون بها ، ومما تواتر من هذه القصص أنه قدم رجل من سفره في ساعة متأخرة من الليل فلم يرد أن يوقظ أهله فأحب أن يبقى في المسجد حتى الصباح ثم يقدم على أهله مبكرا فلما اقترب وقت آذان الفجر سمع صوت الماء يسكب في حوض المسجد فقام ليتوضأ فلما اقترب من الحوض وجد الشيخ سعيد يسكب الماء بنفسه فقال له الرجل : أنت حاكم البلاد وأرواحنا فداؤك فدعني أنا أقوم بهذا العمل عنك . فابتسم الشيخ وقال : ''هل تريد أن تحرمني من الأجر ''.
ومن قصص حلمه الكثيرة أن رجلا أساء في أمر يخص الشيخ سعيد ، فكظم غيظه ولم يعاقبه على إساءته . فبقي الرجل متمللا خائفا لا يدري ما يصنع ، يقول : لو عاقبني الشيخ أفضل لي من هذه الحالة التي أنا فيها ، فما كان منه الا أن قدم الى مجلس الشيخ سعيد ، وقال :
باتوب توبهْ ما وراها هنّهْ
لسعيدْ كانه ذنبيهْ ممحنهْ
وابليسْ يا كمْ واحدٍ مغونّهْ
قبلي غوى آدم وأظهره من الجنّهْ
فقال له الشيخ سعيد : ''هوّن عليك، فقد عفونا عنك '' .
وقد مرت في عهده كثير من الأحداث العصيبة التي قام بإدارتها واحتوائها بحلمه وعدله وحزمه وكان من أشدها سقوط سوق اللؤلؤ الطبيعي مصدر قوت جميع أهل الساحل وكانوا يعانون في طلبه والغوص عليه الأمرين حيث يقضون الأشهر في البحر حتى يعودوا إلى دورهم بدراهم ''روبيات'' معدوات ولكنها كانت تكفيهم لأن القناعة كانت صفة من صفاتهم ولكنهم بكساد سوق اللؤلؤ كسدت الأسواق وفقد الناس مصدر رزقهم الأول ، هنالك وقف الشيخ الكريم جنبا إلى جنب مع شعبه وشاركهم في آلامهم و أعانهم بكل ما يستطيعه حتى تخطى الناس تلك الفترة العصيبة من حياتهم .
ومن العجيب أنه مع تدهور سوق اللؤلؤ وتراجع اقتصاد الخليج بأكمله ولكنّ تعداد سكان دبي زاد ثلاثة أضعاف وما ذلك إلا بسبب حكمته البالغة وسياسته السديدة رحمه الله تعالى .
وكان من كمال حنكته أنه لما رأى ابنه الشيخ راشد قد ملك أهلية القائد وقد رباه وهيأه أحسن تهيئة والإبن سر أبيه كما يقال ، قام الشيخ سعيد بإسناد كثير من مهمات الحكم إليه ناصحا له وموجها حتى بلغ الشيخ راشد القمة في إدارة البلاد في حياة أبيه .
ولما كانت سنة 1958 انتقل الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم إلى جوار ربه وقد كانت جنازته مهيبة فلم يبق أحد يستطيع المجيء إليها إلا وحضرها ولا عجب في ذلك فهو حاكمهم ووالدهم ، تحبه قلوبهم وتجله .
إن الحديث عن علم كبير بحجم الشيخ سعيد بن مكتوم يحتاج إلى مجلدات لنوفيه شيئا من حقه ولعل لنا لقاء آخر معك أخي القاريء الكريم نذكر فيه بالتفصيل تاريخ هذه الشخصية العظيمة.
