عندما شاهدت دموع اللصوص، تتساقط وهم يطردون من الأراضي التي استولوا عليها عنوة.. منذ تسعة وثلاثين عاماً. تذكرت حكاية الطائر الأسود. بعد قراءة هذه القصة، يصاب الإنسان بصدمة قوية. كأنما أراد الكاتب إحداث ذلك في نفوسنا جميعاً. أن تهزنا الأحداث.. من الأعماق.. تقتلعنا من جذورنا. كتبها عقب هزيمة: 5 يونيو 1967..
تقول الحكاية: جاء طائر أسود غريب، وحط على حافة نافذة الغرفة شبه الناعسة التي ينام فيها الطفل الرضيع. نظر الطائر حواليه، ثم تطلع إلى الجسد البض الطري واستقر نظره على الساق البيضاء المشبعة بالحمرة. طار وحط على مهد الرضيع. وبدأ ينقر في الساق العارية، ينهش اللحم الطري، ويستمتع بالتهامه!! بدأ بكاء الرضيع.. البكاء ارتفع إلى صراخ، ثم تحول إلى شبه عويل حاد يزلزل المكان!!
كانت الأم قد تركت وحيدها الرضيع هانئاً في فراشه وخرجت لقضاء متطلبات البيت من سوق المدينة. عندما أحست بحالة من القلق تنتابها، عادت مسرعة إلى البيت. اندفعت ناحية باب غرفة نوم الرضيع، الصادر منها صوت بشري يتعذب، كحيوان يشوى على نار هادئة!! دفعت الباب بقوة وشدة، ألقت بنفسها على وليدها الوحيد، وفر الطائر الأسود الغريب هارباً، بعدما أتى على ساق الرضيع!!
أراد الكاتب أن ينقل إلينا الإحساس بتلك الصدمة القوية التي هزتنا جميعاً من الأعماق، وألقت بنا في غياهب التيه. وأحدثت في نفوسنا شرخاً غائراً لم يندمل حتى كتابة هذه السطور.. فمازلنا نعاني بدنياً ونفسياً من آثار هذه المهانة!! لكن مؤلف القصة، مات واستراح مما نعانيه نحو اليوم وكل يوم..
قصة الطائر الأسود الغريب.. من وحي الخيال.. كتبت في أعقاب نكسة الخامس من يونيو.. وما قمت بسرده ـ هنا ـ هو من وحي الذاكرة إن لم تخني، وليس النص الأصلي للقصة. ولكنها كتبت بهذه الطريقة التي سردتها، بهذه البشاعة والقسوة والوحشية التي تهز القارئ!!
ولقد كتب مؤلفها العديد من الأقاصيص الصغيرة في حجمها والكبيرة في مضمونها والتي تثير العديد من التساؤلات والقضايا بصورة رمزية مثل حكاية الطائر الأسود الغريب.
في النصف الثاني من الستينيات، كان يكتب في صفحة (أدباء الأقاليم) في (تعاون الفلاحين) وهي جريدة محلية مغمورة توزع مجانية بالجمعيات التعاونية الزراعية في القرى النائية، وكان يشرف على هذه الصفحة ـ كاتب (نصف مغمور) يتخذ من معاناة أدباء الأقاليم، شعاراً له.. لكسب ودهم للصعود على أكتافهم، للحصول على الشهرة.. في عصر الشعارات والخطب الزاعقة، والتصفيق الحاد!!
ما أحزنني، أشد الحزن.. أن الكاتب ـ يوف القط ـ ابن مدينة دمياط المصرية، رحل.
رحل قبل أن يعلم أن الطائر الأسود، رمز الشر، استفرغ الساق ـ سيناء ـ التي التهمها حتى آخر جزء منها.. رحل، قبل أن يرى ـ أيضاً ـ الطيور السوداء الغريبة، وهي في لحظة انكسار، عند استرداد جزء صغير مما سلبوه أيام الهزيمة. رحل، قبل أن يرى الطائر الغريب، تم نتف ريشه وأصبح عارياً أمام العالم.