قد تكون الشفافية، والغوص في عمق تفاصيل الموصوف النصي هو ما يميز كتاب (إلى مطر قديم) لإسماعيل حيدر، والسمة النصية التي ترتكز على نص متين يدرك التعامل مع ذاكرة ثاقبة لأحداث كان قد خبرها الكاتب من قبل، وكأن بالسرد الروائي في تعقب متواصل لأماكن وفّق الكاتب في سبر أغوارها، ومطارحها الأولى مستعيداً صياغة جديدة لتفاصيل أسرت حيدر ضمن سورها اللغوي.

فلا عجب أن يستعيد هذا الماضي مثنياً على تشبثه ضمن ذاكرة تتعقب الأحداث وفق تدفقها الانسيابي. قراءة نص حيدر لا تشبه القراءات الأخرى لما تتميز به من تقنية مدركة لمفصل سرد الوقائع، وأهميتها. فقريته (طير دبا) لا تشبه القرى بتضاريسها، وأشجارها المثمرة، وكأن بالموصوف النصي للمكان يغدو مرتعاً هنيئاً لطفولة تفصح عن المخفي من محبة الكاتب لمكان نشأته، وبلورة كتابته.

يتشكل مخزون المفردات عند الكاتب بأسلوب يلامس متن النص حيناً، ويخرج عن الكتابة الرتيبة أحياناً أخرى. فالقارئ للمجموعة أمام نص يتفرد بمفردات وأدوات لغوية تلين حين تقترب من هيكل الموصوف بخشوع وعناية، وكأن الكاتب يؤدي نوعاً من الصلاة تجاه ماضٍ يخاف عدم إيفائه خصوصيته، وندرته، والتي شكلت مجمل السرد لأحوال شخصية لم تكتمل بعد.

يوظف حيدر البعد الرمزي خير توظيف لصالح لغة تنتقل بالقارئ من مشهدية إلى أخرى، وإذا به أمام عمارة من الصور تفضي إلى مشاهد جيوغرافية واصفة القرية، وتضاريسها بناسها، وتينها، وعنبها.

هذه العلاقة مع الطبيعة تركت أثرها بين دفتي الكتاب ما جعل من مجموعة (إلى مطر قديم) تتميز بنسقها اللغوي الخاص. لاسيما أن الكاتب يغرف من لغته بمهارة مدرك لسحر اللغة، وإيقاعاتها الخاصة، والمترافقة مع خرير المياه، وحفيف أوراق الأشجار. وهو يقول :(تذكرت دعاء أبي وحكاياته، كان إذا مر بباله غيم، غادر نومه الجميل مع نجمة الصبح، حانياً على جذوع الأشجار، فكانت لشغفها الحميم تثمر تحت نظراته غصون غضة، حتى لتوشك أن تستنبت في مرايا عينيه الكروم العطشى.

يخصص الكاتب حيزاً كبيراً للعائلة مما مزج مجموعته بموضوعين تناولهما بوعي، ودراية لما لهما من أثر على وجدانه وذاكرته. إن الاقتراب من النص أشبه بالاقتراب من وهج الكلمات، فالقارئ أمام حميمية مفرطة لجمع ما لا يجمع من ذاكرة امتدت على مر الأزمنة مابين (طير دبا) و(بيروت) و(دبي) حتى غدت المدن بمنظور الكاتب نافذة تفضي إلى عالم مليء بصور الطفولة، وريعان الشباب.

يشير الكاتب في (تقاطيع الفصل)إلى حالات من معاينته للحرب، وعبثيتها من خلال أمكنة دأب على السير على أرصفتها، وهي أماكن أثيرية لمثقفين في شارع الحمراء في بيروت، وكورنيش المنارة. يصف الكاتب المكان بتوافق مع تلك اللحظات الممزوجة بالألم والأمل بلغة ساخرة، وحزينة حيناً آخر. إن الحالة العبثية، والتي كانت سائدة في تلك الحقبة تركت آثارها بعمق بين شريحة المثقفين مما دفع بحالات اللاجدوى تمتزج وتتأرجح بين المشاهد الحميمية، ومشاهد العنف القاسية.

يتميز الفصل بعنوان (أطياف النشأة التالية) بكتابة مغايرة عن الفصول الأخرى لما تتضمنه من اختزال، وعمق لصالح المفردة مما جعل من اللغة حالة مفاجئة لمضمون نصي يتزامن مع انسجام تام مع سلالة المكان وذاتيته. بكلمة موجزة(إلى مطر قديم) مجموعة من النصوص كتبت بنسقها الخاص، وبمشهدية روائية ملفتة مقدمةً كاتبها كروائي يعي مفاصل الكلمة وسحرها المتميز.

سامي نيال