لا شك في ان العمل الذي قامت به «منشورات الجمل» وهو نشر مقالات للشاعر العراقي الكبير الراحل بدر شاكر السياب عن خلافاته مع الشيوعيين وتركه الحزب الشيوعي العراقي عمل مفيد ويسهل مهمة الباحث ويلبي حاجة من يحب القراءة والاطلاع.

لكن القاريء قد يأخذ على دار «منشورات الجمل» التي تعمل من كولونيا في ألمانيا ومن بغداد بعض ما أخذته هي نفسها على ناشرين آخرين أعادوا نشر اعمال السياب خاصة الشعرية منها. حمل الكتاب عنوان «كنت شيوعيا»، وقد جاء في كلام الناشرين في حديثهم عن «هذا الكتاب» وبحق في أحيان كثيرة عن إعادة نشر اعمال لهذا الشاعر الكبير قولهم «مثلما حظي الشاعر بدر شاكر السياب بالشهرة والاهتمام فقد تعرضت اعماله وآثاره للإهمال والتشويه.. فأعماله الشعرية يعاد نشرها بطبعات مختلفة لكنها جميعها غير نقدية مليئة بالأخطاء ولا يوجد متحف يحوي آثاره».

ويبدو ان المقصود بالقسم التالي من النص ان هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها مقالات السياب في كتاب.. إلا ان قول الناشر يأتي بشيء من الضعف التعبيري إذ نقرأ «يضم هذا الكتاب لأول مرة بين دفتيه اعترافات السياب التي نشرها عام 1959 في جريدة «الحرية» البغدادية. جاءت اعترافاته في 29 حلقة حملت عنوانا واحدا «كنت شيوعيا» ثم تلتها 11 حلقة تحمل كل واحدة عنوانا خاصا بها.

وربما شعر القارئ بشيء من المفاجأة عند قراءة هذه الكتابات النثرية للسياب.. فهي بعيدة جدا عن «قماشته» الشعرية المميزة وتبدو كأنها لإنسان غيره.. لنقل أنها تبدو في كثير منها كأنها من كتابة شخص لا تشبه كتابته ومشاعره ومستوى كل ذلك ما توحي به قصائد صاحب «أنشودة المطر» وغيرها وغيرها.

ويمكن للقاريء الناقد في مجالات عديدة ان يشعر بأن ظروفا تاريخية منها «حفظ الرأس» اي ضرورة الحفاظ على النفس والحصول على «الأمان» والحماية عند تغير الدول كما يقال وخوف من الشيوعيين أثرت كلها في مواقف للشاعر. ومن هنا يمكن تفسير هذا القدر الكبير من التملق للزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم من السياب الذي كان قد عانى التشرد والسجن والفقر.

وبصرف النظر عما يكون الشيوعيون واخصامهم قد ارتكبوه في تلك الحقبة التي شهدت كثيرا من الأحداث الرهيبة فإننا أحيانا نشعر بأن عوامل تحكمت بالشاعر فجعلته يكتب بالطريقة التي كتب بها، اي بطريقة ليست مميزة وكأن الكاتب إنسان عادي جدا ليس في مستوى السياب. اليست دار النشر مدينة للقاريء بكثير من الشرح والإيضاح والتحليل والتعليل فلا تقع في ما أخذته على غيرها مع انه صحيح في كثير منه؟ (رويترز)