صبيحة كل عيد أقوم بزيارة المقبرة، ليس من أجل الأموات فحسب، بل من أجل الأحياء أيضا، فكثيراً ما كنت أشعر بالسعادة تغمر أمي وأبي وعمي حين يتحدثون عن ذهابي معهم، رغم أني في حقيقة الأمر لا أشاركهم نفس مشاعرهم، فهم ينحنون على قبور الجدود ويبكون الساعات، أجاملهم خلالها مبددا غمي بين الحين والآخر في مراقبة بائع الريحان أو الزائرين أو متابعة العصافير.. العصافير!

نظرت وراء الشوك المهتز بعد هروبها!

ما الذي يفعله ذلك الطفل؟

حين كنت صغيراً كنت أتسلل من زيتونة إلى زيتونة زاحفاً على ركبتي أو ماشياً على رؤوس أصابعي كي أراقب العصافير الهابطة عند فخي المعهود. ودائما يدور الدوري الملعون حول الفخ، يدور في ذهني أحلام الصيد المبتورة ويطير.. يطير كالعادة.

هذا الطفل الدوري، لماذا يدور حول القبور؟

لماذا لا يأكل الدوري دودة الفخ؟ هذا السؤال حيرني منذ طفولتي وكم تحايلت عليه، وكم جعلت الفخ جزءا من الطبيعة؟ لكن دون فائدة.

كم قبراً زار هذا الطفل؟ ولماذا يحمل من كل قبر عرق ريحان؟ لعلها سرقة بطريقة ذكية؟ لا أدري لعلها؟ سألت نفسي ودار الدوري ودار الطفل عاري القدمين كي لا يوقظ جدتي من موتها.

ـ هيه.. أنت. أنت هناك.. تعال.

ـ أأأنا.. أأنا..

ـ نعم أنت، لماذا تسرق الريحان؟

ـ أسرق؟

ـ كي كي كي كي أضعه على قبر والدي.

المسكين أجابني بكلمات خرجت قبل البكاء بقليل! أشفقت عليه وأعطيته عشر ليرات كي يشتري الريحان من بائعه القريب منا.. لكنه تراجع ببطء، ومن ثم هرب فجأة وهو يقول:

ـ سأشتري كعك العيد لأخوتي.. سأشتري كعك العيد لأخوتي.

mah7z@hotmail.com