أصبح الحديث عن الاحتراف متشعباً، وكل الأخبار والتقارير التي ترد عن هذا الموضوع تؤكد تطبيقه قريباً، غير أن أحداً لم يعرف بعد ما شكل هذا الاحتراف وكيف سيكون، والمسؤولون عن الموضوع مازالوا يدورون في منطقة معتمة لا ضوء فيها، قد يعملون على إصلاح التيار الكهربائي ومن ثم صناعة «الضوء»، لكن واقع الحال يقول إن «التيار» مازال مقطوعاً، وأن العملية الاحترافية مازالت في العتمة، ولأننا بلا شك مقبلون على الاحتراف، لذا يسرني أن أعيد إلى الأذهان حكاية قديمة موجهة فقط إلى الأندية التي ستضع قدمها في أول دوري للمحترفين.
فريق كرة القدم في نادٍ عربي يتمتع بجماهيرية واسعة في بلده نتيجة لما قدمه من نتائج باهرة وعروض مبهرة في الملاعب عبر تاريخه، لكن جيله الجديد لم يتمكن من مواصلة تقديم هذه العروض.
تدارس إداريو الفريق الوضع وقدموا كل ما يستطيعون للاعبين، وعلى الرغم من أن العقود الموقعة معهم «تائهة» بين الاحتراف والهواية، فإن إدارة النادي سعت إلى تحقيق مكاسب إضافية خارج مفردات العقود، وخاصة للاعبين المتميزين فمنحتهم المساكن ووفرت لهم الوظائف وقدّمت لهم خدمات يحلم بها أي لاعب من نادٍ آخر.
ومع كل هذه المحفزات، تراجع الفريق وخضع إلى مزاجيات اللاعبين النخبة، فراحوا يتغيبون عن الوحدات التدريبية، ثم يطالبون بلقاء رئيس النادي فيستقبلهم الرجل على الرحب والسعة ويوفر لهم مطالبهم.
استمر «الحال على هذا المنوال» حتى طارد شبح الهبوط الفريق وعاش جمهوره أياماً عصيبة، وذات مساء طلب اللاعبون لقاء جديداً مع رئيس النادي.
لم يتأخر الرئيس، فاجتمع بهم واستمع إلى مطالبهم، وعندما انتهوا من عرض ما أرادوا، فتح رئيس النادي قصص ألف ليلة وليلة، فقرأ على أسماعهم: يا سادة يا كرام.. بعد التحية والاحترام.. كان هناك تاجر له مزرعة فيها ثور وحمار، يخرج الحمار في مهمات بسيطة، بينما يخرج الثور للحراثة فيعود مساء متعباً منهكاً.
شكا الثور متاعبه للحمار، فنصحه الحمار بألاّ يأكل حتى يصبح ضعيفاً، وإذا طلبوه للحراثة يسقط تحت أقدامهم.
في صباح اليوم التالي نفّذ الثور نصيحة الحمار، فأمر التاجر أن يقوم الحمار بواجب الحراثة ويبقى الثور في مكانه حتى يتعافى، واستمر الحال ثلاثة أيام، فشعر الحمار بالإرهاق والتعب الشديدين، وعندما عاد في المساء، قال للثور: أريد أن أنصحك يا صاحبي. فقال الثور: وما نصيحتك؟ قال: سمعت صاحبنا يقول إذا لم يخرج الثور للحراثة يوم غدٍ، فخذوه للجزار واذبحوه وقطّعوه وافصلوا عظمه عن لحمه.
شكر الثور الحمار على نصيحته وخرج في اليوم التالي إلى الحراثة بمزيد من النشاط والحيوية..
هناك أكمل رئيس النادي قراءة الحكاية دون أن يوضح أي شيء، وخرج من قاعة الاجتماع.
دهش اللاعبون وكل واحد ينظر في وجه الآخر وهم يتساءلون: مَنْ الثور.. ومَنْ الحمار؟!! ومنذ تلك الحكاية تحسّنت نتائج الفريق وقتذاك، وواظب اللاعبون على التدريبات حتى حصلوا على مركز أبهج جمهورهم.
نحن اليوم في حاجة ماسة إلى عقود احترافية واضحة وصريحة حتى لا نحتاج خدمات الثور ولا نصيحة الحمار.
ومن هنا، لابد من تطوير عمل المحاماة في الجانب الرياضي وتفعيل دور المكاتب القانونية الخاصة في هذا الموضوع، وعلى اللاعبين أيضاً أن يرفعوا درجات وعيهم القانوني من أجل الحفاظ على حقوقهم في زمن يرمي العواطف جانباً.
جاسب عبدالمجيد
