خلال نهائي سباق 100 متر سيدات في أولمبياد سيدني، حققت ماريون جونز فوزاً جعل النقاد يتصايحون «هذه الأولمبياد وليس من المفروض أن تفوز ماريون بهذا الفارق الكبير».
وما تابعه العالم عندما كان جهداً خارقاً من موهبة رياضية خالصة جعلها ترتفع إلى آفاق لا يمكن لأي متنافسة الوصول إليها. لكن العالم لم يدرك عندها أنها مذنبة بجرم تعاطي المنشطات، وبالتالي فبمن يثق عشاق ألعاب القوى أو أم الألعاب كما يسمونها وكيف نثبت جرم من أجرم! والرياضة ما هي إلا انعكاس للمجتمع الذي يخرج منه اللاعبون ـ أما الواقع أن الرياضي أو الرياضية أمثال ماريون جونز لاسيما يتحمل الخطأ منفرداً. فهناك صناعة الصيدلة التي تتعامل بمليارات الدولارات والتي لا رغبة لدى عمالقتها أين تقع الخطوط الفاصلة بين المنافسة الرياضية النبيلة والفوز بشتى الوسائل ومنها المنشطات التي يروجون لها.
والرياضيون أمثال جونز ليسوا ضحايا أبرياء بل هم الذين تركوا ليتحملوا الذنب ويذهب بقية المذنبين دون جرم أمثال مدرب ماريون الذي جلس ليتفرج عليها وهي تحقن نفسها بهرمون النمو المحظور ثم واصل الإشراف على تدريبها. وقبل مشاركتها في أولمبياد سيدتي بدت عليها علامات القوة والجاهزية للمنافسة. وقد فعلت والابتسامة على وجهها بينما جلس مدربها تريفور جراهام منزويا يفرك يديه في حبور كان يعلم أن الفوز مجير لها بلا جدال ـ لكنه لم يدرك أن الأيام ستكشف أن هذا الفوز جاء بواسطة الخداع وتناول المنشطات المحظورة. كان من المفترض أن تكشف الشبهات ماريون جونز أكثر من مرة في الماضي لكنها كانت تبتعد عنها في كل مرة.
وفي المرة الأولى انفصلت عن زوجها «سي جي هنتر» الذي توج بطلاً أولمبياً في رمي الجلة «الكرة الحديدية» في سيدني، وذلك بعد أن اكتشف أمره وتعاطيه المنشطات، فتم تجريده من الميدالية الذهبية.
ثم انفصلت عن صديقها العداء تيم مونتغومري الذي أنجبت منه طفلاً عمره أربع سنوات للأسباب ذاتها.
وبعد نهاية علاقتها مع مونتغومري تزوجت من العداء النيجيري السابق أوياديني طومسون ـ وتقيم معه بمدينة أوستن في ولاية تكساس.
ورغم تعدد الإفادات المتكررة ضدها إلا أنها استطاعت البقاء بعيدة عن الشبهات خصوصاً في غياب الأدلة الدامغة للفحوص المضادة والنتائج الإيجابية التي لم تثبت تعاطيها المنشطات المحظورة. ثم جاءت عودة جونز إلى مضمار ألعاب القوى مشجعة جداً بعد أن أحرزت المركز الأول في سباق 100 متر في بطولة الولايات المتحدة في يونيو 2006.
على أن العينة الأولى التي أخذت خلال السباق أظهرت وجود مادة الايبو «أديتروبويتني» المحظورة في بولها لكنها خرجت من القضية دون إدانة بعد أن جاءت نتيجة الفحص المضاد سلبية فبرأتها تلقائياً من التهمة الرسمية. كذلك اتهمت جونز مؤخراً بالغش في قضية شيكات مسروقة ثم أقفلت القضية وتحولت الإدانة لصديقها مونتغومري ومدربها السابق سيتفن ريديك.
وغابت جونز عن المشاركة هذا العام في بطولة الولايات المتحدة المؤهلة لمونديال 2007 الذي أقيم بمدينة أوساكا اليابانية في 25 /8/ 2007 إلى 2 /9/ 2007.
بعد ذلك بدأت ردود الفعل في الظهور وذلك بعد اعترافات النجمة الأميركية وكانت أولها من رئيس اللجنة الأولمبية الأسترالية جون كواتيس الذي طالب بتجريد جونز من الميداليات التي حصلت عليها في سيدني.
الرئيس بوش يتعاطف مع جونز
لم يتأخر الرئيس بوش في إبداء تعاطفه مع العداءة جونز وهو أحد أنصار الرياضة عموماً وألعاب القوى على وجه الخصوص ـ وجاء تعاطفه رغم أنه من كبار محاربي المنشطات ونقلت دانا بيرينيو المتحدثة باسم البيت الأبيض حزن الرئيس وقلقه من المثل الذي قدمته جونز قائلة، «تحدثت معه حول قضية جونز وأعرب عن حزنه لسماع النبأ وما يقلقه حقاً أن كل رياضي أو عداء يطمح في الاحتراف يعتقد أن عليه الاستعانة بالمنشطات لتحسين نتائجه والوصول إلى أهدافه.
وأضافت: أنه حزين لهذا الخبر ويأمل أن يتحدث الأهل مع أولادهم من أجل الاحتراس والإحجام عن تناول مثل هذه المواد عندما يكبرون.
كذلك عبر اتحاد ألعاب القوى الأميركي عن لسان رئيسه كريج ماسباك عن خيبة أمله الكبيرة جراء هذه الاعترافات مشدداً على أنه يدين تناول المواد المنشطة من أي رياضي مهما كان، مضيفاً نحن محبطون جداً من أكاذيب جونز حول موضوع المنشطات، والآن يدفع منافسوها وزملاؤها ثمن أخطائها ـ واعترافاتها لن تعوض الأضرار الناجمة عن أفعالها».
كذلك طالب رئيس الاتحاد الأميركي جميع الرياضيين باستخلاص الدروس والعبر من تجربة جونز وخوض المنافسات بنظافة وشرف.
وشكلت اعترافات جونز مادة دسمة للرأي العام الأميركي الذي أدان فعلتها بشدة.
وكتب البروفيسور جيل ليبريتون خبير التربية البدنية تعقيباً تحت إحدى صورها التي نشرتها العديد من المجلات الشهيرة المتخصصة ومنها فوغ والتايم جاء فيه «اعتبروني أحمق لكن جونز هي الغش بعينه» وأضاف جيل، «أحسست اليوم بالخيانة الحقيقية فكيف أرسخ في ابنتي وتلاميذي القيم الرياضية من خلال مثل كهذا ـ بعد أن لطخت اعترافات جونز شهرتها الواسعة».
اعترفت ماريون جونز قبل أيام بتناولها مادة «تي إتش جي» المحظورة والتي كشفت خلال فضائح معامل «باكون» بناء على نصائح مدربها تريفور غراهام.
وأكدت جونز أن الشك لم يخالجها ولو للحظة أن هذه المادة منشطة حيث كان مدربها غراهام يؤكد لها أن مادة مغذية ليس إلا.
وكان التسلسل المنطقي للأحداث أن تعيد العداءة الأميركية جونز الميداليات الذهبية الثلاث التي أحرزتها في أولمبياد سيدني 2000 حسبما أوضحت اللجنة الأولمبية الأميركية ـ التي ذكر رئيسها جيم نيسي أن جونز أعادت كذلك الميداليتين البرونزيتين التي أحرزتهما كذلك في سيدني.
وأضاف شير «الميداليات بحوزة اللجنة الأولمبية الأميركية حالياً، وسيتم تسليمها إلى اللجنة الدولية الأولمبية التي ستمنحها بدورها لمن يستحقها».
وكانت جونز قد أحرزت الميداليات الذهبيات الثلاث في سباقات 100 و200 م والتتابع 4 x 400 متر، كذلك أحرز البرونزيتين في سباق 100 x 4 تتابع ومسابقة الوثب الطويل.
كذلك يتضمن سجل جونز ست ميداليات في بطولة العالم وهي ذهبية 100 متر عامي 97 و1999 وذهبية 200 م عام 2001 وذهبية التتابع 100 x 4 عام 1997 وفضية 100 م عام 2001 وبرونزية الوثب الطويل عام 1999.
المؤشر في اعتراف جونز أمام القاضي أننا توجهت إلى الرأي العام الأميركي قائلة «إنه لعار كبير أن أقول لكم إنني خنت ثقتكم بي ـ وأترك ألعاب القوى التي أعشقها بعمق كما أعترف بأنني مذنبة من خلال الإدلاء بتصريحات كاذبة للمحققين الفيدراليين عندما حاولوا استجوابي مرتين، وما فعلته حماقة كبيرة لا تصدق. وأنا المسؤولة الأولى والأخيرة عما قمت به ولا يمكن إلقاء اللوم على أحد. والخلاصة أنني لم أكن مستقيمة عند ارتكابي مثل هذا العمل.
أما العقوبة فتواجه جونز عقوبة قصوى تتمثل في السجن 10 سنوات وغرامة مالية قد تصل إلى 25 ألف دولار لإدانتها بتصريحات كاذبة ـ وستعلن عقوبتها في 11 يناير المقبل وربما تكون السجن لمدة ستة أشهر حسب اتفاق بينها والنائب العام الأميركي.
محمد سيف النصر


