قامت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بعرض جماهيري لأعمال الفنانة الإماراتية سلمى المري في ساحة الفنون بالشارقة، ضمن رمضان للفنون الإسلامية، وتوزع العرض على أربع تجارب مشغولة بالاكريليك على القماش، وتتراوح قياساتها بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة التي تقترب من الجدارية.. التجربة الأخيرة كانت بعنوان أهازيج وجدانية وتتقاطع من حيث الأجواء مع تجربتي أنماط بشرية ومحور اهتمام مع تطورات تكوينية وأسلوبية ولونية لا تمايزها بشكل واضح تحت ثقل وحدة الموضوع وشفافية التناول.. التجربة المتمايزة بقسوة عمقها وجدلية شكلها ومضمونها هي تجربة تحت الوصايا لكن يبقى الإنسان كقاسم مشترك لكل التجارب وسطوة اللون ولو بتدرجاته المختلفة، ملمح وتاريخ لتجربة الفنانة ككل.
إن أول ما يلاحظه المتابع للعرض هو وجود الإنسان في كل أعمال الفنانة سلمى، وتحوله مع تحول الشغل عليه، أكان من حيث الاهتمام بدقة الملامح أو ما يميز هويته من مكملات.
أو من حيث التبسيط للخطوط والشغل على إظهار الملامح كمرايا طفولية للذات من جهة، أو من حيث وجوده الفاعل ضمن الحياة التي تراها الفنانة طبيعية من جهة ثانية.. فالأسرة والعلاقات الحميمية بين الرجل والمرأة والأسرة وأطفالها ملمح من ملامح أغلب الأعمال، لكن ثمة حالات مغايرة لتلك المشاعر الجمعية، وهي شعور النساء بالغبن والإحباط، بالقهر ويأس الانتظار..
ويظهر التعبير عن ذلك واضحاً في لوحات، ويغوص في الرمزية في لوحات أخرى، وجمالية تلك الرمزية ارتباطها بالتبسيط الموحي، والاختزال الدال، مما يعطي في كل الحالات أولوية للفكرة والموضوع، وطفو ندي لعواطف الفنانة ورهافة مقاصدها..
تحت الوصايا
تجربة «تحت الوصايا» الموحي عنوانها بإشكالية أبعادها، من أقسى التجارب دلالة على مشاعر القهر والغبن في الذات البشرية، وإن كانت تضم ثلاث لوحات فقط، لكن كل لوحة أكثر قلقاً وعمقاً من الأخرى، ولكل لوحة أسئلتها ورموزها وإشاراتها.. فبين الترابي والبني وتدرجاتهما معا ثمة تداخل مخيف بين الوجوه المتراصة والجدران التي تشكلها في ظل تحويراً للتكوينات يمنحها تضليلاً أخاذا للشكل والمضمون، فتقترب مكونات اللوحة مجتمعة من الترميز كدلالات فكرية ونفسية وعاطفية..
وتجنح للخراب الموحي بالتعتيق الجرافيكي فنياً وبصرياً.. مما يثير الدهشة الداخلية ويحرك نوازع الصوفية الحزينة، ويثير الأسئلة.. أسئلة الحيطة والحذر في لوحة لثلاث نساء يخفن من الخوخ الآتي جراء تفكيرهن بأن الانتظار لن ينتظرهن وهن تحت الوصايا... وأسئلة اليأس والذل عن سرمدية هذه الوجوه المتداخلة مع القضبان المتجذرة في الجدران والنوافذ ورائحة العفن التاريخي.
تبسيط بدراية
تجربة أنماط البشر وتجربة محور اهتمام خرجتا من تحت وصايا الفنانة بتغيير بأساليب التناول والمعالجة اللونية والحركية والاقتراب من التجريد أكثر من إلى الترميز.. لكن لم تتجاوز أجواؤها المألوفة من حيث الأفكار والمواضيع والمفردات البيئية والموروث الشعبي.. لكن ثمة ملمح جديد في علاقة الذات بالموضوع والذهاب إلى اللوحة بدلاً من أخذها.
ولذلك مرجعيتان، الأولى تجاذب معها العواطف الجياشة التي توشج العلاقة بين المرأة والرجل والأم وأطفالها في أجواء حميمية توحي بعودة الفنانة إلى طفولتها وتدخلان معاً إلى اللوحة.. وفي استلاب لذيذ تتبسط الخيوط وينساب التحوير وتتشكل اقترابات من الطفولة تدمج الذات بالموضوع بذهول أخاذ يمنح - بعد الصحو - للوحة صبوتها..
لكن ثمة مرجعية للصبوة تلك تشي بأن العفوية الطفولية تتجاذبها دراية وخبرة وتقنية، خاصة في علاقة الفنانة بخطوطها المنسابة بتلقائية من جهة والمتصلة بحرفية لم تفقد الملامح رغم بساطة الشغل عليها تعبيراتها النفسية العميقة، ولم تضف على الدلالات الواضحة لاهتمام الفنانة بالإنسان غبشاً يشظيها، بل أضاءت حزماً متباينة العمق بين مشاعر متلق وآخر.. وفي ذلك قصدية ودراية من جهة، وحرفية من جهة ثانية تتكئ على تجارب عالمية وتتثاقف مع التجارب المستقبلية.
في تجربة أنماط بشرية تتوضح النزعة للطفولة في لوحات مستقلة، والعاب وأحلام وذكريات في حركة لونية تضفي أجواء مغايرة بصرياً، لكن لا توحي بدلالات جديدة ولا تثير حدسا مختلفاً.. لكن ثمة لوحات في التجربة ذاتها تصير الحركة اللونية دولاب الزمن أو طاحونة الحياة التي تسحق جميع البشر ولكن كل حسب نمطه.
التجربة الجديدة «أهازيج وجدانية» لم تخرج عن سطوة اهتمام الفنانة سلمى بالمرأة والأسرى والأطفال، لكن فيها ميولاً نحو إبراز هوية الشخوص من حيث الزخرف والحركة اللونية والاشتغال أكثر على علم التشريح وإظهار الجانب الجمالي من الوجوه والبيئة والموروث الشعبي، وأخذ اللوحات شكلها الطولاني ووجود تكرار لبعض المفردات أو التيمات كالبرق مثلاً.. مع سيطرة للونين الأزرق والترابي باستخدامات مغايرة أحياناً لدلالاتهما الطبيعية وتمظهرهما في البيئة.
سطوة اللون
بشكل عام تتقارب التجارب الأربع لتثير أسئلة عن علاقة التجربة بالمرحلة وخيوط التقاطع بين التجارب والمراحل ولحظة خروج الفنان من تجربة لأخرى.. وإن كان للأفكار والمواضيع ووحدة الأجواء والتعامل مع التشخيص والتحوير.. الخ، دور في ذلك، فإن تعامل الفنانة مع اللون واختياراته دور مهم أيضاً في الانطباعات الأولية عامة، وفي الذاكرة البصرية التي تتركها اللوحة في مخيلته المتلقي خاصة..
واللافت أن اللونين الأزرق والترابي رغم سطوتهما هذه وإيحاءاتهما بتقارب التجارب، إلا انهما يمنحان الفنان خصوصيتهما اللونية، فسلمى المري منذ شغلها الواقعي وبالمائي والزيتي كانت تحت سطوة هذين اللونين، لكنهما كانا وما زالا تحت سطوتها أيضاً، وخاصة في مقدرتها على إبداع تدرجات جديدة لكل لون وتدرجات مغايرة للونين معاً واستخدامهما خارج تمظهرهما المألوف في الطبيعة. والعلاقة باللونين تعزز انتماء المري لبلدها، فتلك التموجات والتداخلات بين اللونين تشي بعلاقة الأرض بالسماء والصحراء بالبحر، وتعكس حضوراً واضحاً لشجرة النخيل وثمارها وحركة تلك الثمار اللونية وتدرجاتها.
دبي ـ محمود أبوحامد
