مما يقال في العلاقة بين الأسطورة والرمز أن التكوين الذهني للبُنى الرمزية والخيالية والتي تتشكّل كأساطير ومعتقدات وخرافات وحكايات شعبية تتاخم الوجود الإنساني وحضوره، وتؤطره وتساهم في صياغة مكونات واشتراطات حياته الثقافية، وتنبثق كمصوغات معرفية، دينية، اعتقاديه تساهم في تأسيس العقل الجمعي وتجربته المعيشية.. وقد تتحول عبر تراكمها المعرفي وعبر التكريس المستمر لشعائر إيديولوجية دينية وطقوس مقدسة تتوغل في أعماق النفس البشرية..
ولكن أليس ثمة علاقة تكوينية جدلية تؤسس فيها الأسطورة للرمز كما في تحول أسطورة فينوس لرمز للجمال.. وهل على تلك الشعائر أن تكون مقدسة في كل حالاتها؟ وهل عليها أن تتراكم في الذاكرة الجمعية لتكتسب شرعيتها وديمومتها، وهل ثمة قابلية لتشظّيها الجمعي؟
هذا اليوم يطوي التاريخ أربعين عاماً على رحيل المناضل الأممي ارنستو تشي جيفارا.. وفي قرية «لاهيغيرا» قرب مدينة« فاييغراندي» يتم الاحتفال الرسمي بتلك الذكرى، وبحضور وفود رسمية وغير رسمية من بلدان متعددة .
المكان الذي تم فيه اغتيال جيفارا تحول إلى مزار يطلق عليه مزار القديس ارنستو ويؤمه الناس من منابع مختلفة الانتماءات ومتنوعة الجغرافيا.. جغرافيا الروح..يتباركون ويؤلفون حكايات وحقائق واعتقادات وتصورات..
ويراكمون شعائر دينية وأيديولوجية وربما تكون مقدسة من حيث مبدئيتها، أو من حيث إيمان أصحابها بها. لكن أين جيفارا الأسطورة وتحوله إلى رمز للنضال الأممي، وأين رمزية جيفارا وصياغتها لأساطير عن البطولة والتضحية في التمظهرات المتشظية هنا وهناك عن صورته وقبعته وشكله وملامحه وثيابه، وحتى خصلات من شعره التي عرضها غوستافو فيلودو، الرجل الذي قاد مهمة القبض على جيفارا، للبيع بالمزاد العلني ؟
من هو جيفارا الأسطورة والرمز تهتز صورته على ثوب مراهقة ساذجة، أو تتسخ على قميص مراهق أرعن، أو تتراقص مع فرق الروك اندرول والبيتلز، أو تتسوق مع إعلان هنا أو تسوق لإعلان هناك؟
أين شفافية العلاقة الجدلية بين الرمز والأسطورة في بعدها الإيديولوجي إذا كانت بعض الصحف الإسرائيلية تروج أن آرييل شارون الراكد في غيبوبته الموحشة هو ابن خال جيفارا، زاعمة أن والدة الثائر العالمي سيليا دي لا سيرينا المولودة عام 1925 يهودية من أصل روسي انتقلت إلى العاصمة الأرجنتينية وغيرت اسمها هناك وتزوجت من الأرجنتيني ارنستو جيفارا لنتشه وبعد عام من زواجها أنجبت ابنها البكر ارنستو تشي جيفارا الذي أبلغته وهي على فراش الموت أن لها أخا يدعى صموئيل يعيش في فلسطين مع أحد أبنائه المدعو آرييل شارون الذي يخدم في صفوف الجيش الإسرائيلي.
المفارقة هي أن جيفارا زار فعلاً في ستينات القرن الماضي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، وبمعرفة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعدة مرات مثيرا الكثير من الحماس هناك، لكنه لم يدخل إسرائيل مطلقاً، ولم يشترك أبداً مع الوفود الرسمية الكوبية التي زارت الدولة العبرية خلال السنوات اللاحقة.
والمفارقة الأحدث هي أن وفداً طبياً كوبياً أجرى الأسبوع الماضي عملية جراحية للشخص الذي قام بإطلاق النار على جيفارا الجريح، ومكنته تلك العملية من استعادة بصره.
