أكدت الروائية أمينة زيدان أنها لا تهتم في كتابتها بشكل عام بالمصطلحات النقدية كقياس أثناء الكتابة وأنها لا تعيش إلا مع الشخصيات التي تكتبها.
وقالت: أنا لا أكتب لغة مبتدعة، ولكني أستخدم مفردات لا يجب أن يستخدمها البعض وقد طوعت كل إمكانيات اللغة في إظهار أحداث السرد، ويتضح هذا في رواية «نبيذ أحمر» ، واصفة تلك الرؤية بأنها تعبير عن الكتابة النسوية، التي تخدم قضايا المرأة، وهذا واضح من خلال سرد الرواية لحياة أنثى تعبر عن أسرة بأكملها موضحة أن غلبة السيرة الذاتية في الرواية هو أسلوب يسهل على القارئ فهمها والاحتفاء بها.. أمينة زيدان في هذا الحديث:
* تناولت رواية «نبيذ أحمر» الحروب والمقاومة وما يحدث خلالها من انهيارات وتشوهات، فإلى أي حد استطاعت هذه الحروب من خلال الرواية تكوين حياة بشرية جديدة ؟
- للحروب نتيجة واحدة عامة هي الخراب والموت ومن هذين العاملين تنطلق الحياة التي تعنيها، ولكن أية حياة، هنا يختلف الأمر ويصبح معقداً، فهناك شعوب تخرج من الحرب لتصنع انتصارات علي مستوي آخر، وهناك شعوب تدعي النصر وتنام علي أكاذيبها راضية، فانهيارات وتشوهات الحرب المادية أقل ضرراً بكثير من انهيارات النفس الإنسانية، التي هيمنت علي شخوص «نبيذ أحمر» بدأ من سوزي وانتهاءً بألم نموذجي مبالغ فيه: باندريا الذي ينهار بانتهاء النص، وفي ذلك الوقت يسقط أسعد ثلاثة نماذج للمقاومة تنهار في النهاية فاقدة الصلة بالعالم المحيط سواء بالموت أو الصمم، أو نقد اليقين.
* قال النقاد إن علاقتك في «نبيذ أحمر» بالعالم ليست علاقة ولع بالتجريب لكنها محاولة تنمية نص صراعي يبلور عدم استقرار الواقع من خلال عملها الروائي. ما رأيك؟
- العلاقة بالعالم في الرواية علاقة تتسم بالتفاعل مع كل مفردات ذلك العالم، وهذا ما أردته تحديداً ببناء شخصية متواجدة وبقوة في تلك المفردات والتجريب حلم لكل مبدع حقيقي أما محاولة تنمية النص لهدف ما محدد مسبقاً، فهذا أمر حرفي أكثر من اللازم، وعمدت إلى استخدام التقنيات والآليات السردية بشكل يصنع نصاً أتمنى له أن يكون مختلفاً، ولكنه يحمل سمات النص الكلاسيكي الذي يتحرك في أربعة عقود زمنية أو أكثر ومعبأ بشخصيات عديدة من أجيال ثلاثة، كل ذلك لم يكن بالأمر الذي ينتفي معه الولع بالتجريب.
* هل كانت تشغلك المصطلحات النقدية مثل جماليات الفوضى وغيرها من تقنيات ما بعد الحداثة أثناء كتابتك ل«نبيذ أحمر» ؟
- مسألة جماليات الفوضى وغيرها لم تكن تشغلني أثناء كتابة «نبيذ أحمر» فالمبدع لا يستطيع أن يضع المصطلحات النقدية كقياس أثناء الكتابة، المبدع لا يرى ولا يعيش إلا مع الشخصيات التي يكتبها.
وكذلك مسألة الذاكرة الجديدة تلك لا أفهمها، فمنذ نزول حواء وآدم الأرض والذاكرة تتكئ علي عالم اللاشعور والصراعات تعبث بالزمن وتخترق الأمكنة عبر الحدود والأسوار، وأنا لا أعتمد علي تفريغ اللغة في كتاباتي وأتحدى من يقرأ النص ويحاول تغيير مفردة واحدة، أو شطب جملة، وإذا فعل فلن يكون ذلك أبداً بديلاً عما افترض النص، لإنتاج المعنى الذي قصدته وأنا أكتب عنه، فأنا لا أكتب لغة مبتدعة، فقط أستخدم مفردات لا يجب أن يستخدمها البعض، وقد طوعت كل إمكانات اللغة في إظهار أحداث السرد.
أما مسألة ما بعد الحداثة، فإن الموقف النقدي الآن يستطيع إدعاء أن نصوصاً بعينها تم إنتاجها منذ عقود كثيرة هي نصوص ما بعد حداثية modernism، وكأن المسألة «لي ذراع» أو فتونة نقدية، كما أنه لا توجد معايير صارمة في تطبيق نظرية نقدية بعينها علي النص.
* جاءت الرواية على أربعة عقود زمنية متدرجة وفي نفس الوقت متخذة شكلاً تنظيمياً فهل نعتبر الجزء الأول سبت السرد؟!
- بالنسبة لي الرواية لم تكن بمعني الكتاب الضخم الكبير الحجم، بل هي العمل الذي تتسع صفحاته لشروط البناء السردي المشتمل علي الزمن، اللغة، المكان، الأحداث، الشخصيات، الرمز، كآليات صارمة لإنتاج الرواية.
ويظل السؤال يلح علي كيف أكتب رواية، كيف أنشئ عالما محكما تدور بداخله الفوضى بشكل درامي، حتى رأيت ذلك المشهد لفتاة جميلة تركض محترقة نحو البحر، بتلك الأنثي التي تليق بأن تكون رمزاً بدأت النص، لتظل هي على مدار الرواية موضوعاً للبحث، ولقد خضت تجربة الرواية بروح عالية وتشكيل بهذا القدر المذهل من العبث، وكانت هكذا يعبثون، تجربتي الروائية التي أمتعني إجهادها لي كثيراً وجعلني أعشق فن الرواية.
وكان علي أن أعد لكتابة جديدة وظل الخوف يلازمني من عدم استطاعتي بكتابة رواية أخرى، مختلفة، قوية، متجاوزة وغير مستنسخة من الرواية الأولى، كما يفعل البعض، وفي تلك الفترة كنت متوقفة عن الكتابة باستثناء عدة قصص قصيرة.
القاهرة ـ داليا فاروق
