تتواصل فعاليات الحركة الثقافية، والفنون في تنوعها وكثافة موضوعاتها في دبي، وفي هذا الإطار افتتح مساء أمس الأول في قاعة الأميرة في فندق غراند حياة معرض الفن التشكيلي للفنانة الأميركية (اميلي غوردون)، بعنوان كل هذا الوهج والذي يستمر لغاية الثالث عشر من الشهر الجاري برعاية مجلس غاليري، وحضر الافتتاح عدد غفير من المهتمين في الفن التشكيلي.

وخلال مشاهدتنا للأعمال المعروضة لاحظنا جدية في الأعمال المقدمة، إذ تشكل اللوحات بمضمونها نضجاً فنياً واعياً لمراحل تاريخية ممعنة في القدم من حيث التركيز على الفن المعماري البيزنطي، وهو ما يعكس انفعالاً، وتعاطفاً من خلال الأعمال المقدمة.ترسم الفنانة اميلي غوردون مواضعيها المنتقاة بدهشة تفوق أدق التفاصيل لتظهرها بشكل أخاذ وساحر ليبدو العمل الفني عندها حالة تنقل الدهشة مع ترافق إيقاع المشاهد بتقنية عالية.فالرائي للوحاتها أول ما يلفته هذا الفن المدهش لخطوط متطاولة في بنيتها التشكيلية، وكأن اللون يحوي طبقاتٍ متعددة متماسكة في مزجها لتصل إلى حد السحر، والغرابة.

هذا الإشباع في استخدام المواد الصمغية، وأوراق الذهب والفضة، وإمعان غوردون في صياغة، وإتمام اللوحة بإضافة الحلي، والخرز دفع باللوحة صوب مناخات تاريخية تعبق في سحر الشرق وفرادته.

تستخدم اميلي معادلة فنية تحمل في طياتها البعد التاريخي، والتقني معاً إضافة للبعد الجمالي لأعمالها الإبداعية لتكون امتداداً لما عملت عليه خلال السنوات الماضية.

تركز اميلي على اختزال شديد في اللون، والخطوط المركزة في لوحاتها ترمز إلى دلالة فكرية تكوينية لتصل في النهاية إلى البعد عن اللون، وحرارته لدرجة يصعب وجود متنفساتٍ في اللوحة.

ظلال وهمية تمتد على مدار اللوحة تغلب عليها النظرة الصوفية الدافئة، والتي لا تخلو من بعدها الفكري. تتناول غوردون خصائص موضوعاتها عبر لغة تنتقيها من مفاتيح الغرابة البصرية المعاصرة، والتي تتميز بحضورها اللوني كافة. إن لجوء الفنانة في إبرازها السحر، والفتنة في لوحاتها إنما هو للدفع باتجاه استيعاب المساحة بأشكال حسية، وفتح باب التعبير على مصراعيه لتلمس خصائصه عبر مفردات للتعريف بمواقعه الجمالية.

تنتهج اميلي البنية الجمالية، والتي تركز من خلالها على الامتداد مع الدهشة من خلال عالمها الداخلي باستخدام تعقيد بصري غايته التوازن الروحي في المسافات، والأماكن التاريخية.

يتحول اللون عند غوردون إلى إيحاءاتٍ صريحة لتشكل بنية مرصعة حين تستخدم الخرز، وأدوات التزيين بحيث يبدو اللمعان أشد تركيزاً من الشخوص، والمشاهد المجسدة على بياض اللوحة.

تشكل أعمال الفنانة حالة رصينة، ومدروسة بعناية. فهي مفتونة بالشرق، وسحره، ولولا هذا الإعجاب لما كان الشكل واللون يحتلان بقوة أشكاله المستطيلة في معالم اللوحة، ومستوياتها التشكيلية.

نوافذ وأبواب تفضي إلى رؤيا مشهدية تتآلف، وتتوافق لتبدع قوس قزح يفصح عن رؤيا أخرى تعبر عن أفكار تحمل إشراقاً لطيف زمني، وهذا ما دفع بإميلي لإعادة تصويره من تفاصيل الذاكرة التي اختزنتها من رحلاتها المتواصلة للشرق.

والملفت في أعمال إميلي إنها لم تبتعد عن واقعها البيئي، على رغم تجريديتها الممعنة في تصوير حالاتٍ، وشواهد تشع من ماضيها السحيق، ولا عجب في ذلك فالفنانة أمضت سنواتٍ طوال في الشرق الأوسط مما انعكس بشكل جلي في مواضيعها المقترحة.

ولكن يبقى الحضور البارز لرؤى استشراقية كان اللون معها هو النبض الرئيس في توازن اللوحة، ومضمونها. فالمتأمل لبؤرة الصورة عند اميلي يرى ايقوناتٍ فنية مشبعة بتحركها باتجاهات لصالح حضارة شرقية، وبيزنطية عمادها فن نهضوي معاصر انصهرت معه ليشكل حركة معاصرة في اللون، والشكل مما وسم الأعمال المعروضة ببنية فنية فريدة.

دبي ـ سامي نيال