يعد علم العلامات العلم المعني بدراسة العلامة بشكلها العام، أي هو الكيفية التي يمكن من خلالها نقل معنى من المعاني. وبما أن العلامات تحيط بنا وتمثل أحد الأنساق المعرفية السلوكية التي نتعامل بها، والعلامة تمثل في احد أوجهها الإدراك الحسي لدال العلامة الظاهر ولوجا لعالمها الباطن.

والآن المسرح هو المجال المعني بعلمية الاشتغال العلامي وتوليد فضاءات قرائية جديدة من خلال استنطاقه لعلام العلامة ومعانيها فهو معنى بنقل معنى من المعاني، لذا تمثل فضاءه الجمالي في التوليد الدلالي لها، وهذا ما يلاحظ على النص المسرح المترع بالعلامة المشكل لكل استناداته المعرفية ـ الجمالية التي يشكل احد أطرافها المتلقي،.

وكأن العلامة في المسرح مدلولها مؤجل لاشتغالات المتلقي عليه، وهكذا نجد الدال (النص-العرض) والطرف الآخر من المعادلة تمثيل المدلول (المتلقي) وبما أن العلامة تخيط كل مشاهد الحياة الإنسانية سواء كان على مستوى الخطاب أو التواصل، فهي الممثل لكل مظاهر الحياة الإنسانية والعلامات هذه قد تكون مباشرة (حسية) (ذوقية، سمعية، مرئية، شمية..الخ) أو غير مباشرة(رمزية ـ مجازية) .

والملاحظ إن العلامات بشقيها المباشر وغير المباشر، وقد تكون حاضرة أو غائبة والعلامة المسرحية ماثلة في معادلة الحضور والغياب وهي تمثل المسافة بين طرفي المعدلة، فالمسرح مؤسس معرفياً ـ جمالياً على العلامة، غير أن المسرح يمتلك نسقا علامياً خاصاً به غير العلامة في المسرح المعني بالسياسة، لأن المسرح السياسي معني بالعلامة السياسية- الأيدلوجية بوصفها علامة تتولد باتجاه نهاية أيدلوجية محدودة قبلا.

فالعلامة في المسرح السياسي علامة ايقونية لا تقبل الترميز مباشرة، لهذا نجدها علامة أحادية لأنها لو أخذت مكانا غير مكانها لأصبح المسرح السياسي هنا مسرحا ضد نفسه بوصفه مسرحاً قائماً بكل مفرداته الفكرية ـ الفنية على الأيدلوجية التي ينتمي إليها في طرحه أو محاولة إيصاله فكرة أيدلوجية هي المهمين والطاغي على كل معطيات المعنى العلامي في هذا المسرح.

وهذا الطغيان يضع العلامة في المسرح السياسي بوضع هش دلاليا لأن فضاءها محدد بالواقعة التاريخية، لذلك المسرح السياسي لا يقبل التأويل وبالتالي العلامة فيه لا تنفتح على التوليد العلامي أو الانتقال والتعدد في المعنى، لان المسرح السياسي في مشروعتيه الفنية ينطلق من فكر ثابت عكس المسرح الذي يستخدم السياسة نجد العلامة فيه ذات فضاء مفتوح وتقبل التأويل. ولهذا نجد المسرح السياسي في قراءاته الفنية للواقعة التاريخية قراءة أيديولوجبة قائمة على الكولاج والمونتاج لأحداث كلها تصب في فكر واحد سواء كانت تاريخية او واقعة تاريخية او حادثة يومية سواء كانت احتمالية سياسية-اقتصادية.

لهذا تظهر العلامة في المسرح السياسي علامة من علامات كبرى لطبقة صغرى لطبقة كبرى- لذلك تتحول العلامة في المسرح السياسي الى منبر لبث أفكاره بقصدية المعالجة الاجتماعية فهو مسرح تخدير وتنبيه، لذلك نجد أن هناك هيمنة للتراكم الكمي في ضخ المفردات الفضائية (السينوغرافيا) .

والفكرية بوصفه القادر على خلق وعي فني وهذا يتفق مع ما يؤكد عليه (ييتر فايس) من أن التراكم الكمي يخلق وعياً فنياً لذلك نجد المسرح السياسي مترعا بكم مبالغ فنيه من الأحداث اليومية والوقائع والأخبار والنشرات بعلمية كولاجية لأجل توكيد أيدلوجية ما، لذلك يعمل المسرح السياسي على مناجاة عاطفة المتلقي من خلال استفزاز رغباته للوصول به إلى الفكر الأيدلوجي الذي يحمله المسرح السياسي ويجمل هدفه الفلسفي السياسي.

لهذا نجد العلامة في المسرح السياسي علامة أحادية لا تقبل التأويل أو الانتقال إلى معنى جديد لأنها محدودة ومحملة أساساً بالفكرة الأيدلوجية فهي تلد فيها وتنتهي فيها، لهذا فالعلامة المسرحية في المسرح السياسي تلد وهي ميتة في معناها ومبتغاها الأيدلوجي، لذا فان العلامة في المسرح السياسي علامة أحادية لا تقبل توليد المعنى، إذن فالمسرح السياسي هو موت العلامة.