تناولت الندوة التي عقدت بمكتبة القاهرة الكبرى مؤخراً بمناسبة ذكرى رحيل الإمام المجدد محمد عبده فكر هذا العالم ودوره في الإصلاح السياسي والاجتماعي في مصر في فترة شهدت حالة من النضوب الفكري شارك في هذه الندوة عدد كبير من الكتاب والأدباء والمفكرين.
وأكد د.عاطف العراقي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة خلالها أن الإمام محمد عبده قضى على حالة التدهور الفكري التي سادت مصر خلال هذه الفترة بفكره التنويري الجديد، فقد اتسمت أعمال الإمام محمد عبده بالذكاء الفطري الذي تحلى به في كل المواقف حتى قبل وفاته وقد استحوذ فكر الإمام محمد عبده على مساحات كبيرة من كتابات العقاد الذي كان شديد الإعجاب به.
ومن أهم ما كتب العقاد كتاب محمد عبده عن طريق الإصلاح والتعليم، وهو كتاب لا غنى عنه لكل مهتم بأحوال مصر، وحلل فيه العقاد ظروف الشيخ محمد عبده تحليلاً دقيقاً كما ألف د.عثمان أمين كتابا عن الإمام محمد عبده ضمنه العديد من الموضوعات والأفكار المتعلقة بعصر الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق والخديوي عباس حلمي والظروف السائدة في مصر آنذاك.
وأضاف د.عراقي: ضرب لنا الإمام محمد عبده مثلاً رائعاً في الاعتماد على النفس فقد بدأ تعلم القراءة والكتابة في منزله قبل أن ينتقل للدراسة في الجامع الأحمدي ومنه إلى الجامع الأزهر وبعد دخوله الأزهر بقليل ذاع صيته وانتشر فكره وأحدث تغييرات كثيرة في فكر هذه المؤسسة فقط إذا أراد أن يكون الأزهر قلعة لدراسة كافة العلوم كالحساب والجغرافيا والتاريخ بعد ما كان قاصراً على دراسة العلوم الدينية فقط ولاقى جراء ذلك هجوما عنيفا من أشخاص كثيرين يتهمونه بالكفر.
وبالإضافة إلى دوره في إصلاح الجامع الأزهر لعب دوراً آخر في مجال الفتاوى التي تعد جزءاً من تراثه والتي أسهمت في الإصلاح الاجتماعي في مصر، ومن أمثله هذه الفتاوى، الفتوى التي أصدرها حول ارتداء زي الأجانب «البنطلون والقميص» حيث أجاز ذلك في فترة كان يرتدى فيها المصريون الجلباب .
وتأتي بعد ذلك الفتوى الكبرى للإمام محمد عبده وهي الفتوى المتعلقة بفوائد البنوك فكان رأيه أن العقد شريعة المتعاقدين، وأن البنوك تأخذ الأموال برضاء أصحابها وتدخل بها في مشروعات في شكل منظم وتعطي الأفراد جزءاً من الأرباح، خاصة أن المشروعات الكبرى في فترة الإمام محمد عبده كان يمكن أن يمولها فرد واحد، ولكن نحن الآن في حاجة إلى أفراد لتمويل المشروعات.
سافر محمد عبده إلى بلاد كثيرة واستفاد منها كثيراً ومنها سوريا ولبنان وسويسرا وإنجلترا وفرنسا، والتقى أثناء رحلاته بمفكرين وفلاسفة مثل هربرت سبنسر وأثر عليه وقرب لديه العلاقة بين الإسلام والمسيحيين وهو ما نال إعجابه كما أوضح محمد عبده أن أوروبا قامت برعاية الفكر على عكس العالم العربي الذي وقف ضد الفكر وحاربه كما حدث مع الحلاج الذي قطعت أطرافه وابن عربي الذي قتل، لقد كانت أفكار محمد عبده تستطلع آفاق المستقبل بقدر ما كانت وليدة ظروف عصره ومن هنا تأتي عبقرية وذكاء هذا العالم الجليل.
القاهرة ـ مشيرة عكاشة
