في رواية «قشور الباذنجان» للكاتب العراقي عبدالستار ناصر فكرة مبتكرة و«قصص» عديدة مفجعة تتراكم دون أن يؤدي كل ذلك في النهاية إلى لحمة روائية متماسكة. الرواية حافلة بآلام العراقيين وأنواع معاناتهم المتعددة والطويلة التي تبدو كأنها تحولت إلى نمط حياة كما كان أشقاؤهم اللبنانيون يصفون محنتهم المستطيلة ومازالوا يفعلون.

وقد صدر عمل الكاتب العراقي الأخير عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في 220 صفحة متوسطة القطع. رواية ناصر وهي كتابه السادس عشر بين قصص وروايات ودراسات نقدية وغير ذلك تبدأ كما يبدو بعد سقوط نظام حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أو قبيل ذلك.

وبدايتها مؤثرة حافة بالعبر إلا أن أهم ما فيها أنها تطرح سؤالاً فكرياً ووجدانياً وخلقيا يمكن تلخيصه بسؤال «مبسّط» هو ماذا نفعل عندما نصبح قادرين بالذين ظلمونا بل عاملونا بوحشية نادرة إلا في بعض بلدان «العالم الثالث» أو كما يقال «تلطفا» البلدان النامية التي يصف البعض «بعضها» بأنه لا ينمو إلى أفضل مما كان عليه بل إلى مثل ما كان عليه. وهذا السؤال المحيّر والعميق يرافق الرواية في شكل أو آخر في جميع مراحلها.

الإجابات عنه تختلف بل تتناقض. ما هو نطاق المغفرة التي يستطيع الإنسان ان يقوم بها وما مدى عمقها.. وما الذي يمكن ان يشكل تعويضا عادلا عما عاناه إنسان «استبيح» روحاً وجسداً في أقبية التعذيب الذي درجت العادة تاريخيا على أن يجري باسم الله أحيانا وباسم الوطن أحيانا أخرى. وهل تتناقض المغفرة مع ضرورة العدالة..

وقد يأتي جواب آخر حيث يكون الظلم قد عربد وهو ابعد ما يكون عن الإحسان إلى من أساء إلينا وقد لخصه الشاعر الراحل خليل حاوي في قصيدة مبكرة له إزاء ظلم وحشي من هذا النوع بقوله «تثور السماء وتستنكر/ إذا نغفر». تبدأ الرواية بسرد جذاب وتشويق لاشك فيه ومع شك محتمل في نفس القارئ في وجود «جلاد سابق» ذي وجدان من هذا النوع أو فلنقل ندرة هذا الوجود.

قال ناصر بلسان «بطله» أو شخصيته الرئيسية التي تبدو اقرب إلى ما اصطلح على تسميته «نقيض البطل» مستهلا الفصل الأول «جاءني قبل التاسع من ابريل 2003 بسبعة شهور وقف عند عتبة الباب وهو يكرر قولا لم افهمه». أما هذا القول فهو «انا آسف على ما فعلته بك اعتذاري لا يكفي.

وأي تعويض عما جنيت لا يكفي...أريدك أن تسامحني بارك الله فيك ولك الحق في أن تفعل بي ما تشاء حتى إذا شئت أن تذبحني». وعرض عليه قسما من ماله الكثير. أما البطل ياسر عبد الواحد فلا يتذكر هذا الرجل الستيني ويقول له «أنا لا افهم من أنت وماذا فعلت بي...» البطل نسي تلك الآلام..وهل يمكن نسيان ما جرى له.

وبعد تغير الأزمنة السياسية لم تطل فرحة الناس إذ سرعان ما سيطرت أنواع من القتل والتوحش. يقول «كل من يخرج من بيته يقرأ سورة الفاتحة أو سورة الكرسي ويقول الشهادتين فما من احد يضمن الحياة في الساعات التالية من زمن القتل المجاني الذي غرقنا فيه حتى النخاع...بات الفساد ينهش في جسد العراق كله...» ويتساءل «أين كانت مخبأة تلك القسوة. من أين جاءت هذه الخشونة في الطباع. أي نوع من البشر هؤلاء الذباحون. هل هم من أهالي بغداد حقا؟.

. كيف يذبح الإنسان أخاه الإنسان.. كيف يمسك السكين ويمررها على الرقبة كيف يقطع الرأس وهو رأس إنسان مثله..... أهذا دين محمد العربي المسلم ام دين من..... لا أصدق ما نحن فيه... والمسلخ مفردة ليست في قاموسنا المسلخ للخرفان والطعام الحلال فمن يا ترى زرع السم بين ضلوعنا ومن باعه الينا ومن الذي اشتراه حتى نموت كما تموت الخراف..» .

ويتذكر طعام السجن التافه خاصة قشور الباذنجان الفاسدة فيقول عن أيامه الحاضرة مستعيرا من طعام السجن «الحياة لم تعد غير قشرة باذنجان فاسدة سوداء لا قيمة لها لكننا نعيشها فيما نزال بفعل العادة». في هذه الأثناء وجد نفسه يقيم علاقة جنسية مع زوجة صديقه الطيب حيران التي كانت امرأة شريرة فاسدة ما لبث زوجها ان طلقها لفحشها لكن دون ان يعرف بعلاقتها مع صديقه. سيطر على البطل شعور بالإثم. انه قاتل أيضاً مثل ذلك الجلاد وهل ثمة من يغفر له هو.

من هنا يزداد التراكم بل الترهل في الرواية فكثير مما جاء بعد ذلك لا يضيف إليها ويمكن ان تسرده قصة قصيرة. اضطهاد وقتل. يكفي أن تدفع مئة دولار لتجد من يقتل لك أي شخص تريد التخلص منه بل ان هناك سعر «جملة» فإذا أردت قتل ستة أشخاص مثلا فلك حسم خاص.

وشر البلية ما يضحك اذن. بعد محاولات قتل يهرب البطل وشقيقته وصديقه حيران إلى الأردن. حيران مغرم بالشقيقة التي قتل زوجها الأول في الحرب مع إيران وهو يريد ان يتزوجها.

وقد عقد الزواج خلال وجودهم في الأردن. عند ذهاب حيران إلى بغداد لبيع بيته وسيارته احتجز رهينة وفرض عليه التنازل عن البيت بنصف ثمنه ثم اضطر إلى دفع ما تلقاه فدية. وبعد عودتهم نهائيا إلى بغداد يموت حيران انتحارا بعد ان باح لصديقه بأنهم اغتصبوه عندما كان معتقلا. يقول الكاتب «بلد بلا ماء ولا كهرباء بلا أمان ولا سلام وبلد لم يعد فيه حيران ومازال فيه الرعاع الموت وحده يتسلل نحو البيوت والأزقة والشوارع...» .