حين أطلع الصديق الدكتور محسن الموسوي أستاذ الأدب العربي بجامعة كولومبيا في نيويورك على الفكرة التي تناولت فيها النص المسرحي قراءةً، اتصل بي محاوراً ومعلقاً على بعض ما ورد فيها، ثم سألني ، إن كنت لا أزال أتذكر ما اقترحته عليه بشأن العمل على إصدار سلسلة ثقافية، تضم سيناريوهات الافلام العالمية المهمة، مع مقدمات يكتبها مثقفون من أصحاب الاختصاص أو القريبين منه؟ أجبته.. وما زلت أتمنى أن تقدم احدى مؤسسات النشر العربية على إصدار مثل هذه السلسلة، بل لقد أعدت مقترحي هذا، منذ زمن غير بعيد، على احد المسيرين الثقافيين بإحدى الدول العربية، حين سألني أن اقترح عليه بعض مفردات خطة ثقافية على صعيد النشر.

وفي الحالتين، كنت أقدم مقترحي من إدراك، أن غياب السيناريوهات المكتوبة، أو شحتها يؤدي إلى نقص في الثقافة السينمائية، في أوساط المثقفين أو إلى ثقافة سينمائية ناقصة، وليس من شك في أن انتشار السينما، قبل التلفاز وبعده أيضا، هي من بين أكثر الوسائل الثقافية تأثيرا وأوسعها انتشاراً. قرأت، أن المخرج السينمائي الروسي اندريه ناركوفسكي، كتب في دفتر مذكراته: ( تلتقي أحيانا مع إنسان يبدو واسع الاطلاع، يعرف الشعر والرسم والموسيقى بشكل رائع، ويقول لك إن فيلمك يعجبه كثيراً، فتشعر بالارتياح، ثم ما إن تبدأ الحديث معه حول الفيلم حتى يتضح بأنه لم يفهم شيئاً).

وتساءلت، هل هذا النقص في الثقافة السينمائية التي يشير إليها ناركوفسكي، احد أسبابه النقص في قراءة السيناريو، ومن ثم تأمله ومعرفة أسرار العمل السينمائي في أدق تفاصيله؟

وهذا النقص تؤكده حقيقة، أن أي مثقف قرأ آلاف الروايات والقصص، ومئات النصوص المسرحية ودواوين الشعر، إلا انه لم يقرأ في أحسن الحالات، سوى عدد ضئيل من نصوص السيناريو.

كتب القاص الراحل مهدي عيسى الصقر، في كتابه(وجع الكتابة) : (من اجل كتابة مقطع صغير على هيئة سيناريو، قرأت عدداً من سيناريوهات الأفلام، وكتباً عن السيناريو، تمكنت بعد ذلك من كتابة هذا المقطع) وقول الصقر هذا، يؤكد ضعف علاقة الكاتب العربي بنصوص السيناريو، وبالتالي ضعف خبرته في هذا الجنس من الكتابة، فهو لم يقرأ السيناريوهات والكتب التي أشار إليها، إلا تحت ضغط الإحساس بنقص خبرته فيها وحاجته الانيه إلى مثل هذه الخبرة.

منذ زمن غير قصير، وكلما اضطررت للمقارنة بين السينما العربية والسينما العالمية، أجدني أصل إلى أن من ابرز عوامل ضعف السينما العربية، هو ضعف السيناريو، وأظن أن برهان شاوي يلامس هذا التصور في إحالته ضعف السينما العربية إلى الناحية التقنية : (لا اقصد بها الجانب المهني المتعلق بجودة الصوت والمونتاج والتصوير والموسيقى فقط، بل تمس المضمون و(الجانر) أو بتبسيط اكثر - النوع التقني-).

ان من يقرأ كتاب- ألن اوبراين- (التمثيل السينمائي) يدرك، انها ترى الصورة النهائية نتيجة قراءات متعددة للسيناريو، قراءة الممثل وقراءة المصور وقراءة المخرج وقراءة المونتير، وان السؤال الذي طرحه كامل يوسف حسين، في مقدمة(راشومون)، وهي قصص قصيرة للياباني اكوتوجاوا.. بشان فيلم راشومون، الذي اخرجه الياباني كيروسانوا، كيف صنع هذا العمل السينمائي المميز من تلك الصفحات القلائل، فان الاجابة على السؤال، نجدها في السيناريو، الذي حلّق بعيداً في سماء الابداع.

إن السيناريو، هو الحلقة التي تربط الفن بالصناعة، وإذا كان في بدايات السينما، لم يتجاوز أن يكون خطة اولية لتصوير شريط سينمائي، فان الأمر ما عاد كذلك، وصار السيناريو، الشريط السينمائي في طور الكتابة، وكلما كان السيناريو عميقاً وذكياً، يسّر انتاج شريط سينمائي جيد، وعلى هذا الأساس تمنح جائزة الاوسكار للسيناريو المتميز.

وبات معروفاً، أن كبار الكتاب والمفكرين، مارسوا كتابته وأذكر منهم، جان بول سارتر وارنست همنغواي وارثر ميللر وغونتر غراس وروجيه دوبريه ونجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم. ويضعنا الدكتور جابر عصفور بازاء ملاحظة مهمة (إن تقنيات السينما، أعارت نفسها للكتابة الأدبية التي أفادت من الأساليب السينمائية في التزامن والمشاهد الارتجالية والكشف المزدوج والتناوب واللقطات المقربة والقطع وتراكب الصور والخفوت التدريجي والادماج وغيرها). وكل هذه التقنيات من مفردات عمل كاتب السيناريو، ومن أدواته في الكتابة.

حميد سعيد