أكد الروائي المصري جمال الغيطاني على أهمية التحصيل والإضافة والإبداع، مستنكراً أن نكون متلقين فقط أو مقلدين تقليداً أعمى، واصفاً الصراع الحالي في منطقة الشرق الأوسط بأنه صراع ثقافي بالمعنى العميق وأن علينا أن نفهمه جيداً وأن نستوعب ما يطرحه من أساليب جديدة لمحاولة طمس الهوية العربية والإسلامية ولكن دون أن نقع في فخ الرفض أو التقوقع على الذات والعزلة عن العالم الخارجي.

جاء ذلك خلال اللقاء الثقافي الذي نظمته جامعة القاهرة احتفالاً بمئويتها، وتحدث خلاله الغيطاني عن فكره ومسيرته الإبداعية ونشأته.وهذا موجز اللقاء الذي وقفنا فيه على أهم محطات التأسيس الثقافية في حياة الغيطاني:ولد الغيطاني في صعيد مصر وتحديداً قرية جهبته، و سرعان ما انتقل إلى القاهرة القديمة حيث نشأ وترعرع، وكانت أول صورة انطبعت في ذاكرته هى تلك الغارة الجوية على القاهرة عام 1948 وأنه حين عمل مراسلا حربياً في الجبهة قدر له أن يعرف أنها كانت الغارة الإسرائيلية الوحيدة التي شنها السلاح الجوي الإسرائيلى الوليد حينذاك على القاهرة. عاش الغيطانى في درب قديم يدعى «الطبلاوى» وسط أسرة بسيطة وقد جاء والده من الصعيد ليستقر في القاهرة في رحلة عاصفة سجلها في أحد كتبه بعنوان «التجليات»، والذى خصصه في رثاء والده الذي توفى عام 1980 والذى مر بظروف صعبة لم تمكنه من استكمال تعليمه بالأزهر ولذلك قرر أن يعلم كل أبنائه رغم ظروفه المادية الصعبة.

ويضيف الغيطانى: إن درب الطبلاوى كان أول ما لفت نظره فيه ـ وهو طفل يلعب أمام قصر قديم يسمى «المسافرخانة» والذي كان محفوفاً بالأساطير المتوارثة في تلك المنطقة، مؤكداً أن المكونات البصرية التي يراها الإنسان في طفولته هى التي تشكل وعيه وذاكرته مثل المشربية التي كانت عنصراً مهماً في العمارة القديمة بينما كان المدخل يبدو عادياً وغامضاً لكنه يؤدي إلى ما يشبه الجنة الصغيرة.

حيث كانت معظم منازل القاهرة القديمة في القرن 19 مفتوحة على الداخل، وقد أخذ يتعرف على هذا البناء تدريجياً كلما تقدم به العمر حتى تجرأ يوما ودخله ثم بدأ في معايشته وتفحصه ودراسته، مشيراً إلى أحد كتبه الذى صدر هذا العام تحت عنوان «استعادة المسافرخانة» التي احترقت عام 1998 بسبب الإهمال والفساد وهو الأمر الذى ترك أثره في نفسه لأنه كان جزءاً من ذاكرته وتكوينه الروحى.

حب القراءة

ويضيف الغيطانى أن المنطقة التي كان يقطنها كانت تقدم الزاد الثقافي لمن يريد دون أن يبذل جهداً، حيث كان يحيط بمسجد سيدنا الحسين المطابع القديمة التي كانت تزود طلبة الأزهر بالعلم، ويؤكد الغيطانى أن الأزهر لم يكن مجرد مؤسسة دينية أو مسجد ولكنه كان جامعة بكل ما تعني الكلمة وأنه كانت تدرس فيه جميع العلوم الوضعية إلى جوار الشرعية حتى بداية القرن 19، وقد ظل الغيطانى يعتمد في قراءته على المكتبات المحيطة بالأزهر ثم على مكتبته ذاتها.

وقد بدأ بقراءة الروايات المترجمة منذ كان في التاسعة من عمره وكان يتعايش معها، كما كان يقرأ كتب التراث العربي ولم يجد داخله أي تناقض بين هذا وذاك، وأنه حين اكتشف كتاب «ألف ليلة وليلة» وهو العمل الأكثر شهرة والذي يؤكد الغيطاني أنه لم يكتشف حتى الآن من أبناء ثقافتها.

وقد كتب عنه فيما بعد واكتشف الصلات ما بينه وبين بنائه والمدينة العربية القديمة وزخرفتها والخط العربي وبعض بناء وتصميم الكتب الكبيرة في التراث العربي ومنها على سبيل المثال «الفتوحات المكية» لابن عربي، وقد تم طبعه عن هيئة قصور الثقافة في الفترة التي تولى فيها الفنان التشكيلي د.مصطفى الرزاز سلسلة الذخائر التي كان الغيطاني يشرف عليها وقد حرص على تقديم ذلك التراث الذي لا يقدر بثمن والذي يتم تجاهله الآن وإسقاطه عن عمد من الذاكرة العربية.

شخصيات مؤثرة

كما يذكر الغيطاني أهم الشخصيات التي تركت تأثيرها عليه في بداية حياته ومنها الشيخ الجليل أمين الخولي الذي كان أستاذاً في جامعة الأزهر، وتلميذ الإمام الشيخ محمد عبده والذي لعب دوراً مهماً في تكوينه الفكري، وقد ترك العديد من التلاميذ ولم يترك إلا القليل من الكتب، وكان هذا الشيخ موازيا لطه حسين، والعقاد وأحمد أمين وكل جيل الرواد الأوائل وكان ملبسه يعكس تكوينه الفكري، حيث كان يرتدى الزي الأزهري.

وكان هذا الشيخ على قدر كبير من التفتح والإحاطة بكل تيارات الفكر الحديث، وكان أكمل مثال للتوفيق ما بين القديم والحديث أو بين المورث والوافد أو بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما جعلنا نتناسى ثقافات أخرى كالفارسية والصينية واليابانية والتي هي أقرب لنا، وهو الأمر الذي أدى أيضاً إلى افتعال قضية أو المشكلة ما بين الموروث والوافد، أو القديم والجديد أو بين الأصالة والمعاصرة والتي أصبحت الآن كل المؤتمرات التي تعقد تطرح فيها هذه القضية وهى مجرد فخاخ نصبها لنا الغرب ولم ننتبه إليها ووقعنا فيها.

ويذكر الغيطاني أنه بدأ الكتابة بالقصة القصيرة عام 1959 حيث كانت معظم النماذج الموجودة في ذلك الوقت مستوحاة من الأدب الغربي إلا أنه ككاتب ينصح بألا يضع الكتاب أنفسهم في إطار معين ولكن عليه أن يستوعب تجارب ثقافته والآخرين ثم يبدأ بعدها في خلق صوته الخاص به ويضيف أنه كان لديه هموم أساسية بقضايا الوطن العربي، ولذلك حين بدأ في كتابة الرواية فقد جاءت معظم كتاباته تنويهات عليها وأصداء لها من قيم العدل والمساواة ومقاومة القهر.

القاهرة ـ نهال قاسم