تهرب الحروف وتلاحقنا لوعة القلق. . الأوراق اليابسة تحاول تحريك القلم الساكن.. لا جدوى، فالكلمات تنفر، والصداع يصر على مطاردتنا مع تداعيات الثواني واللحظات، ونحن في غمرة البحث عن الإبداع. . نبحث عن المكان الذي يستوعب عوالق التفكير، ويضعنا في فضاء التدبير..
وحين تدور الكلمات مُتمازجة مع الذاكرة تنساب الحروف باحثةً عن مداها الأزرق، مُلتحفة هيبة المغامرة ومشقة السفر مع المعاني. لا الشمس قادرة على إضاءة العتمة النابعة من حيرة الأيام وقلق السنين، ولا القمر يعتلي بنشوة المساءات الساطعة ضياءً، فتبدو الهرولة مع نزيف الحبر بحثاً عن حنين مفقود، ومكابدة لمحنة مزمنة. سفراً في جوانيات الذات الحائرة. . تماساً مع أحوال الأزمنة الفاترة.
حينها يجري القلم متراقصاً مع البياض، وتتشرب أوراق الزمن تنويعات من كلام يهيم عشقاً، ويترنح أرقاً، ويتوالى أنينا .
ـــ
يأخذنا التفكير بعيداً حيث امتداد الموج، وتلاحقنا السنوات هنالك حيث لامعنى للغروب وسريالية المياه.. حيث الملوحة تغسل الوجوه والملابس.. حيث البحر يروي عطش العين.
ـــ
نرتوي بالبحر فيما نجمع الأصداف العامرة بألوان الشفق وأقواس قزح، وفي سويعات من نهار نستعيد حكايات الأسلاف حول هذا العملاق الازرق الملئ بالعجائب والغرائب، نتابع نبض الروائي «أرنستو همنجواي» وهو يطلق صيحته : أيها البحر العظيم.. ما لك على مدك وجزرك الأزلي ؟!، لكأنه يقول أيضاً : أيتها الأيام الغاربة، والليالي العابرة. مالكم تعيدون تكرار المتاهات والجنون ؟
هكذا نعيد انتاج المنتج، وتكرار المكرر، ولا نرعوي ونحن في مسارات أيامنا المظلمة.. حروب تستعر هنا وهناك، وكوارث أرضية تصنعها أيدينا، ومناخات تتقلّب على جمرات الانسان الحامية القاتلة. هكذا تغلي البحار بالنيران ليس بفعل انفجار بركاني على جيرة صغيرة باليمن، أوسواحل اندونيسيا، بل بفعل أسلحة الدمار المنصوبة فوق رؤوسنا والتي تنذر بأوخم العواقب. هكذا نسير إلى حتفنا سادرين في الغي والغرور، بل في العجز والوهن.