الشعر وما بعد الحداثة. يحيلنا عنوان المجموعة «ملائكة الطرقات السريعة» للشاعر والصحافي السوري المقيم في الإمارات زياد عبد الله إلى مدن نعيش فيها ونعاني ما نعانيه من طرقها السريعة وغير السريعة، وبالتحديد إلى مدينة ما بعد الحداثة التي تشكّلت في زمن قياسيّ فباتت ضحية تطوّرها، بعدما قطّعت أوصالَها الشوارع العريضة فتحوّلت أحياؤها إلى جزر متباعدة، لكلّ جزيرة منها عالم مختلف من حيث الثقافة والاجتماع والقيم، أو كما سمّاها ميشيل فوكو «اليوتوبيا غير المتجانسة» التي تتجاور فيها الأشياء على شكّل كولاج غير متناغم.

وفي الوقت نفسه تكون جامعة لطعوم وروائح مختلفة، يظنّ بعض المتفائلين فيها أنهم بألوانهم وروائحهم تمكّنهم المدينة من ذاتها، فيسعون ما أمكنهم إلى إعادة تشكيلها، كي ترتقي فيرتقون معها. بينما يرى آخرون، أنها تغرّب الإنسان وتدفع به إلى ما يشبه المتاهة التي يضلّ كثير من الناس طرقاتهم فيها.

وإذا كان مفهوم «التجاور» أو «الكولاج» غير المتناغم هو النظام أو النهج المتّبع في مدينة ما بعد الحداثة، فإنهما بدورهما سيكوّنان البنية النصّية لأدب ما بعد الحداثة، وخاصّة في الشعر، وبذلك فإن المشاعر الطبيعية المؤسِّسة للقول الشعري قد تغيب عنه، نظراً للطبيعة المكانية الضاغطة باستمرار نحو نشوء الإنسان وتقوقعه على نفسه، كنتيجة طبيعية لضياع الوقت الموزّع ما بين الطرقات والعمل والتسوّق والمنزل، ليغدو الإنسان أشبه بآلة تعمل في نظام «الماتركس»، دأبه خلاصه الفردي بعدما أنساه «النظام»، على الأقل، قيم التواصل الإنساني.

مجموعة «ملائكة الطرقات السريعة»، هي محاولة جادة للتعبير عن رؤية الشاعر الفكرية لما آلت إليه أوضاع الإنسان في هذه المدينة، فيسعى لإيصالها إلى قارئ افتراضي لديه القدرة على إعادة إنتاج نصوصه الذهنية والتجريدية، وتمثُّل دلالاتها على النحو الذي يريد، بمعنى آخر، نحو إقامة شكل جديد من أشكال العلاقة ما بين نصّ ومتلقّ؛ ذلك الشكل الذي تمّ التنظير له منذ انطلاق مقولة «موت المؤلّف» و«ولادة القارئ».

وربّما يعبّر نصّه «تأنيث» عن احتجاج الشاعر على ذكورية زمكان الماتركس المضغوط من خلال التسلّح بنقيضه الأنثويّ، إذ إن إهداء النصّ جاء صريحاً، وكذلك عنوانه، وما تبقّى ستزدحم فيه العواطف التي انطلقت كبركان، فيتألق النصّ ويمتّع قارئه، بالرغم من إرادة الشاعر، أو بمقصدية واضحة منه، فاللغة، هي لغة احتجاج لزمن:

«استهلك وارم»، أو «استهلك وانسَ»، وبالرغم من أن الأنوثة والذكورة في هذا الحيّز «المستبد» مرهونان لمشيئات عليا، تهندس الموت، تقزّم الإنسان، تجوّعه، ثمّ ترميه في أتون «الحرائق والثورات والقصائد» وما سيلي ذلك من كوارث كنتاج لخطابها، إلاّ أن الحبّ غير قابل للاستهلاك، والأنوثة ما زالت في حيّزها، على الأقل، تقابل لغة العنف بممارساتها الإحيائية.

وبذلك فإنها لا تمارس خطاباً مضاداً بمقدار ما تمارس فعلاً جوهرياً، وستشكرها على ذلك كثير من الأشياء: الباب والسلّم والأزهار والينابيع بكلّ ما تتضمنه من رمزية إحيائية:

«البابّ

خفَّفتْ عنه عبء الأقفال/ يشكرها دائماً عندما يُغلق خلفها/ لخطواتها نكهةُ شارع مقفر/ يتذوقها السلم لاهثاً وراءها/ أحياناً/ تسقي أصيص منزلنا بدموعها/ فتخرج الأزهارُ/ وبرفقتها عيون رائعة/ تشبهني، وتشبه أخوتي

حتّى أني لا أجرؤ على قطفها».

وهكذا فإن الأشياء جميعاً سوف تتأنسن من خلال الاستعارات الجميلة التي أسست لمشهد رائع إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على ذائقة الشاعر البصرية ورؤيته الفكرية في آن. ونحن إذ استهوتنا هذه الرشاقة في التخييل، سوف نستطرد بفتح إطار تحليليّ جديد، نتوقّف فيه عند بنية التصوير الفني لديه، وعلى نحو خاص تلك الصور والمشهديات المبتكرة، سواء كانت مرميّة بإهمال متعمّد أو تلك التي تقصّدها، إذ إن الصور المفردة تتعالق على نحو ما مع خطابه الإنشائي أو الإخباري، فتأتي أحياناً كقفلة مفارقة كما في:

«تتعقّب رائحة صوتك المتهدج»، أو في ما ينثره من صور على نحو عشوائي لتتجاور ومن تجاورها يتشكل النصّ جمالياً: «فُتاتك يغمر ملائكة الطرقات/، تنتحر كتعقيب، يمطرنا بوابل من الرصاص والدموع، معطفه يجترح العواصف، وهذه الاستعارات كلّها متجاورة في مقطع واحد مكتظّ ومضغوط بها، ومما يخفف من الانضغاط في نصوص أخرى هو شيء من السرد المشهدي الذي نهض على بنى حكائية بسيطة كنصّه «استراقات» واستهلال زمكاني، لتتعاقب خلفه مجموعة من المشهديات البصرية المؤفلمة في مقاطع مرقّمة تتجاور عفوياً:

3 «بيتي المترنّح لأني غرفته المجاورة/ صباحاً تمطّى معي/ شرب فنجان قهوة وسيجارتين/نسيني معلّقاً خلف الباب/ داهمته غرفة مجاورة/ أخبرته/ مساء لا تأت على ذكر الصباح/ مساء تصدّع فقط/ تماثل/من /خفّتها.

4 «قايضت فستانها الأزرق بالغرق/ وقالت:/ سأهبكم صحراء أوبرالية/ ومقطوعات بحرية تبادلكم الأمواج/ أو شيئاً مثل:/ أعدو سحيقاً في الأعماق المتبقية من صوتي/ وأرواح هائمة تلاحقني».

في نصّه «يوميات عاجلة» أوقفتني عبارة «آه يا بحر» كمرتكز دلالي لماض قريب افتقده الشاعر، وإلى جذر رومانسي يقتضيه مقام المنزل الأول في الذاكرة، إلى الحاضنة وحميمية الأشياء والأفعال: «كش الحمام، الحنطة المتناثرة، النوارس، كنيسة اللاتين، وأصدقاء المشترك» لتبيان حاله في الغربة والوحدة التي كثرت ياءاتها «وحيييييييييييد»، ككائن تنتعله دروب ضالة

وتتناوب المفارق على ابتلاعه.

وتتشابه حالات الانضغاط في المشترك إياه، وتتصاعد لغة التعبير على نحو دراميّ في النصوص اللاحقة، وإذ نقول دراميّ، إنما لأن الحالات اللاحقة تتعرّض لمصائر مشابهة، فالآسيويّ الذي ما فتئ يردد «تحيا آسيا» سينتحر في النهاية، ولكن ليس قبل أن يكشف الشاعر عن مجموعة من المُناصات المرتبطة بالمنزل الأول: مانيلا، بانكوك، جميلات كاواباتا، سمك الشبوط، المعابد، الهند، نايبول، فتيات الجيشا، وشعراء الهايكو«.

كل هذا الأسى، تولّده مدينة ما بعد الحداثة الساحقة لإنسانها، والذاهبة في تطوّرها على نحو لا سبيل إلى إيقافه، لأنها مشيئة العالم وخياره في الانتقال إلى المتاهة، إلى «حياة محكمة كقبضة يد» في نصّه «رأسمالية الأطراف»، حيث الأيام الفاحمة، والسعال الحاد، وربطة العنق المهيأة لشنق صاحبها، مدينة المسافات المترامية، والأبنية الزجاجيّة، والتنزيلات، ومراكز التسوّق والعمالة المظلومة، وغير ذلك مما استجد في ثقافة العالم التي اشتعلت فيها بذور الكراهية والعنصرية:

»أليس الرقيقة/ عازفة الكلارينيت/ صوّرت الجدار العازل/ وجاءت لترينا إياه/ وكثيراً ما ضحكنا/ من عنصريته/ من علوّه الشاهق/ من شقائنا الجذّاب يأتي بها من باريس/ أليس لم تجد إلاّنا/ ضالين/ متفحّمين/ ناجيين في مدينة معقمة».