يمتد فضاء اللوحة عند الرسام السوري باسم الساير باتجاه المناورة التشكيلية ،والتي تستحضر العمق التشكيلي للحرف بكل أبعاده المرمزة لتولد بدورها فضاء مقترحا على الترميز كوحدة في مضمون اللوحة ومناخاتها البديلة، والتي ترى من الموضوع المجسم حقلاً يصور الحركات الذهنية بشكل رؤية فنية بصرية تشير إلى البعد المبيت ما وراء اللوحة.يركز الساير في معرضه الجديد منممات إنسانية على استخدام اللون بحياكة فريدة.

وكأنه أمام فسيفساء تستحضر التفاصيل من عمق الماضي .يجهد الساير في التركيز على ثقافة مابين النهرين لما تحمله من مناخات غرائبية توليدية، فالمتأمل لبعد اللوحات يرى الحشود البشرية تتكاثر كالخلايا المتماسكة،والتي تحتمل إسقاطات تاريخية تمعن في نقل ذاكرة هذا الماضي، والذي لايزال شاخصا بجلي في أعمال باسم الساير.في هذا اللقاء يكشف الفنان باسم الساير عن رؤاه للفن متوقفا عند بداياته الأولى.

ـ لنتوقف قليلاً عند الموروث الثقافي،والذي تنتهجه كهوية في أعمالك الفنية، ومن أين تغترف تجاربك؟

ـ ولدت في مدينة على شاطيء الفرات،وهو كما تعلم مليء بالحضارات القديمة والقلاع هذا ما ترك أثره في داخلي كطفل، وأذكر الآن هذا الطفل الذي كنته يوماً غالبا ما كان يصنع من الطين والصلصال الموجودان على ضفاف الفرات أشياء وأشكالاً إنسانية وفي أحيان أخرى كنت أصنع منها ألعابي الخاصة.

هنا تشكلت بداياتي الأولى مع خطوات،وخرير الفرات، وأنا أكن له اليوم الكثير من الامتنان. لعبت الطبيعة الدور الرئيس في مسيرتي الفنية إذ جعلتني أتحسس الأشياء بشكل فني مرهف،ولا عجب أن أبدأ الرسم والنحت في مرحلة مبكرة من طفولتي.أذكر على مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية أكتشف معلمي موهبتي الملفتة فراح يدفعني للمتابعة في هذا المجال كانت الطبيعة ولم تزل مرشدتي الروحية،والتي تمدني بصداقة مع عناصرها كافة.

ـ يلاحظ علاقتك الوطيدة مع نهر الفرات ووجوده الدائم في لوحاتك. ما سر هذه العلاقة؟

ـ كما أن كل الكائنات الحية تتأقلم مع البيئة التي تحيط وتعيش فيها،كذلك الفنان في بداياته يبدأ بتحسس الجمالية المحيطة به، إن الحضارات التي تعاقبت على الفرات من البابلية والأشورية وغيرها كلها تركت لنا رموزاً البابلية والآشورية وغيرها تركت لنا استخدمتها في أعمالي الفنية.

هذا الطفل الذي أعتاد اللعب على ضفاف الفرات أراه اليوم هو أساس موهبتي، وعمق تجاربي الفنية التي وصلت إليها اليوم. ومع تدفق الفرات كانت موهبة هذا الطفل تتشكل لتكون الآن على هذه الصورة من الدقة المتناهية.دائماً في لوحاتي ثمة طفل موجود في طيات الفسيفساء، وهذه الفسيفساء بدورها مأخوذة من خرير المياه وتدفقها.

ـ تمعن كثيراً في التركيز على الفسيفساء اللونية في لوحاتك. هل ثمة من مغزى؟

ـ أحب الدقة، والتفاصيل الموجودة في الفسيفساء لأنها نابعة من ثقافة المنطقة، وموروثها القديم.وكما ترى في أعمالي حضورا لافتا مع اللون، والموضوع يتربع بين زوايا اللوحة بفرادة، وكلما أمعنت، أو تأملت أكثر في عمق اللون ومدلولاته ترى وجودا لتفاصيل تسكن في ذاكرتي، وما أريده منها أن أصوغها بجمالية تليق برهافتها ودقتها المطلقة.

ـ دعني أسألك هنا عن وجود الأشكال البشرية في مرتكز لوحاتك بوضعية إنسانية مختلفة؟

ـ ببساطة الحياة هي عبارة عن لوحة فسيفساء، والبشر يتربعون بأشكال مختلفة في تفاصيلها ليشكلوا شكل الفسيفساء، والمربعات الموجودة في اللوحة ما هي إلا البشر، ووجودهم ناتج عن إسقاطات تاريخية كما أنهم يتجمعون للحرب، أو للرقص،أو الصيد.

ـ ما توصيفك للون وعلاقتك به في اللوحة؟

ـ اللون في اللوحة هو شكل الحياة الموجودة في البيئة المعنية في اللوحة، واستخدامي للون الأصفر والبني والرمادي إنما مرجعه للمكونات التاريخية لموضوع العمل الفني. فتاريخ اللوحة وتوثيقها يتم من خلال اللون الموجود فيها، وأكثر ما أرتاح إلى لون البيج لأنه يعكس لون الرمال بامتدادها السحيق على مر الأزمان.

ـ هل من طقوس معينة تنتهجها قبل عملية الرسم؟

ـ أكثر ما يحركني للرسم سحر فيروز، وصوتها.لأنها تدفعني للانطلاق صوب مناخات إبداعية أخرى،ومع استماعي لكل أغنية لفيروز أشعر بحاجة لرسم لوحة جديدة لتقديمها كقربان لصوتها الجميل. يلعب الشعر الدور الرئيس في فني، وهو يحرك أحاسيسي بعمق محلقا بي صوب طقوس خاصة، وفريدة تحمل في عمقها هم نقل التواجد مع الآخر.

ـ منممات إنسانية عنوان معرضك الجديد. ما سر هذه التسمية. وما الجديد فيه؟

ـ المعرض هو ضمن فعاليات رمضان، وقامت بتنظيمه جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في الشارقة.تتناول اللوحات موضوعات إنسانية كثيرة،ومتعددة كالتحضير للحروب والأعراس أو تجمعات الصيد، أو تناول موضوع الفزاعات المنتشرة في الحقول.

حاولت في معرضي الأخير نقل صورة الإنسان وتحوله من إنسان فاعل إلى إنسان مهمش ووهمي. تتنوع اللوحات في موضوعاتها في محاولة لنقل حياة البشر، ومشاكلهم. إن هدف معرضي الأخير هو لفت الانتباه إلى التجمعات البشرية، وطريقة معيشتها. ما أردته في عملي الأخير إنما التركيز على هموم الإنسان.

ـ وهل أضافت الإمارات مخزونا فنيا لك؟

ـ الإمارات صقلت موهبتي الفنية بل وأغنتها بكل أبعادها، فالإمارات سباقة للاهتمام بالفن والفنانين، لعبت حكومة الشارقة،ولم تزل حتى اليوم الدور الرئيس في دعم الفنانين فقد وفرت لي مرسما استطعت من خلاله أن أطور تجربتي الفنية الخاصة، فكانت لتوجهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة في دعم الفنانين الدور الفاعل لتطوير النهضة الفنية في الإمارات،وكما تعلم أن الشارقة اليوم هي رائدة في مجال الثقافة والفنون.

ـ تمارس النحت إلى جانب الرسم ماذا يعني لك المزج بين الفنين؟

ـ النحت هو تشكيل كتلة من الفراغ ليشكل في نهاية المطاف مضمونا جماليا، وموضوعا هادفا. كان النحت ولم يزل تخصصي في الجامعة،ومن أحب الأشياء لدي.لدرجة أني أرى كل الأشياء الموجودة حوالي منحوتة، وأكثر المواد المستخدمة في نحتي هي من الخشب، والفايبر غلاس، والمعادن، والجبس.ب كلمة أخرى أحتل النحت بتفاصيله عمق اللوحة عندي،وعند تأملك الواضح للوحاتي تجد نحتا فريدا لأشخاص في اللوحة.

حوار : سامي نيال