للمكتبات حكايات راسخة في أذهان الأجيال لما لها من أهمية عظيمة في تشكيل الحضارات، وحفظ العلوم، وتنوير العقول. فمن دار أو.. بيت الحكمة؛ أحد الكنوز العلمية في بغداد التي أنتجها الفكر الإسلامي قديما والتي أنشئت في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) على يد الخليفة العباسي هارون الرشيد، ثم توسعتها على يد ولده المأمون، إلى أصغر مكتبة اليوم، حيث كلها..

وبنسب متفاوتة تؤدي الدور نفسه خاصة لمن يعي أهمية المعرفة والحرص عليها. ولعل المبدع أكثر الناس حرصا على البحث عن مصادر المعرفة واقتنائها. والمكتبات الشخصية ثروات معنوية وأدبية ومادية، حيث يشهد الواقع على مبدعين اضطروا لبيع مكتباتهم عندما ضاقت بهم الحال.. لكن بعيدا عن دفع الحاجة للتخلي عن إرث المبدع وثروته؛ نقترب من بعض المبدعين الإماراتيين للتعرف إلى علاقاتهم مع مكتباتهم الخاصة.. ومتى بدأت وكيف نشأت.

* الباحث الإماراتي احمد محمد عبيد يؤكد أن على المثقف أن يقرأ كل شيء وأي شيء، ثم يفرق بين مكتبة المثقف المتخصص والمثقف الشمولي، حيث تعتبر مكتبة الأخير عامة تضم الكتب الرئيسية في كل فرع وكل حقل من حقول المعرفة تقريبا.

ثم يقول: بالنسبة لي بدأت مكتبتي شمولية بشكل عام، مع الوقت أخذ يطغى الاتجاه نحو التخصص وحتى هذا التخصص هو عام لأنه ضمن حقول اللغة العربية وآدابها، في مرحلة ثالثة أخذت المكتبة تتجه إلى الأدب بشكل عام القديم منه والحديث مع اللهجات واللغويات أو حسب الحقول التي أقوم بالكتابة فيها، ومنها ما له علاقة بالتاريخ. ويمكن تقدير عمر مكتبتي بأكثر من 25 عاما، وقد بدأت بكتاب أو كتابين، لكنها حاليا تعد بالآلف وقد تقترب من الـ 5000 آلاف كتاب.

الكتاب الذي لا استغني عنه مطلقا وأسميه الرفيق لأنه كتاب معارف شامل في العلوم والجغرافيا والثقافة العامة السائدة في عصر المؤلف، والطبعة التي لدي قديمة نسبيا لكنها محققة، ولم تأت أفضل منها من أكثر من عشر سنوات.

أما عمدة كتب الأدب العربي القديم فهو كتاب الأغاني لأبي بكر الأصفهاني؛ فلولاه لضاع الكثير من الثروات اللغوية كذلك المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، والأعلام للزركلي وهما مفخرة التأليف العربي في العصر الحديث ويدلان على عمق البحث وشموليته في التخصص. هذه كتب لابد أن تكون لدى أي مثقف بسبب غزارة المعلومات والجهد المبذول من قبل الباحث في كل منها. فالمفصل استغرق عشرين سنة من التأليف، أما كتاب الأعلام فقد بقي يعمل فيه صاحبه حتى أواخر أيام حياته.

علاقتي بالمكتبة شبه يومية؛ لكن غالبا ما يحددها الفراغ؛ لأنه لو خصصت وقتا ثابتا فقد يأتي على حساب الالتزامات العائلية والعمل.

* أما الكاتبة شيخة محمد الجابري فتتحدث عن هذه العلاقة قائلة: منذ الوعي الأول بالقراءة، منذ اللحظة التي ساقتني الأقدار فيها نحو كتاب، منذ النظرة الأولى لحرف كانت العلاقة مع الكتاب؛ هي اندماج الروح بالمعرفة، اتصال بالآخر، بالحياة، بالوعي المبكر الذي احتضن أول بصيص نور نحو الولوج إلى عالم فارع العطاء، لا ينضب ولا ينتهي.

أفقت على المعرفة منذ السني الأولى لتعلم القراءة، ونحن أمة وجّهنا الخطاب الرّباني في أول حروفه نحو القراءة مباشرة حين جاءت في الأمر الرباني كلمة «اقرأ» إذن نحن الأحق بتنمية القراءة من غيرنا، فلمَ يهجر بعضنا الكتاب، ويجعله غريبا بين بنيه وأحفاده.

أذكر أن أول كتاب كان نواة لمكتبتي التي تضم اليوم أكثر من 1000 عنوان هو رواية (نادية) ليوسف السباعي، ثم (حارات) نجيب محفوظ وأعني هنا كتبه ومؤلفاته التي شكلت الحارة الركيزة الأولى فيها، بعدها بدأت أقتنص مصروفي المدرسي اليومي لأبتاع كتابا، وكانت تنظم بعض معارض الكتب البسيطة في المدارس فكنت أشتري الكتب منهم، ودون توجيه من أحد بل اعتمدت على الذائقة البكر، تلك التي لم تخذلني في اختيار قط ولله الحمد.

وتضيف الجابري: تنقلت مكتبتي معي في أكثر من مكان نزلته حتى استقرت منذ عشر سنوات تقريبا في منزلنا الحالي، أشعر بالدفء حين أجالسها، وأحزن كثيرا حين تضطرني الظروف للسفر لأنني أفتقد تلك الحياة، والأصدقاء، والصدق، إنها تحاصرني تماما، والكتاب غذائي اليومي الذي قصّرت فيه كثيرا في المرحلة الحالية نظرا لحالة عدم الاستقرار التي أعيشها على مستوى العمل والاهتمامات الأخرى.

من أهم الكتب أو المؤلفات التي أعتبرها أعمدة كل مكتبة المنجد، ولسان العرب، كتاب الماء وهو من أروع المعاجم، أضف لذلك الكبار الذين لا يضيئون المكتبة وحسب بل تشتاقهم كثيراً.. المتنبي وديوانه، أحمد شوقي، نجيب محفوظ، كنفاني، الكوني، فاطمة المرنيسي، الشابي، السياب، مجلة العربي، وعالم المعرفة. هذه المجلات اعتبرها ركيزة رئيسة في مكتبتي وأحرص على اقتنائها شهريا، أضف إلى ذلك الكثير من المؤلفات التخصصية في فروع المعرفة والعلوم الإنسانية والاجتماع والاتصال والتراث والفولكلور والأدب الشعبي بصفة عامة.

من أهم ما يميز مكتبتي أنني أقتني بعض المؤلفات التي ابتعتها من أحد أساتذتي في جامعة الإمارات الذي قرّر ذات سفر أن يعرض مكتبته الضخمة للبيع، فاقتنصت الفرصة وابتعت منه عدداً من الكتب أذكر أهمها الثابت والمتحول لأدونيس، وكما أحرص على تجديد كل شيء حولي، لمكتبتي نصيب الأسد من الميزانية، ولذا لا أفوّت فرصة تنظيم معارض الكتب إلا وأقتنصها لأذهب فتفقد الميزانية توازنها، وتؤكد الجابري:

في القراءة حياة أخرى، لو يعلم أبناؤنا اليوم أهمية القراءة وأنها تنمي الذات وتصقل الشخصية وتشكل الوعي وتجعل من حولنا هالة من النور؛ لما خاصمها وهجرها أو شغلته أمور أخرى غيرها، أتمنى على الأسرة العربية أن تلتفت لأبنائها وتقرّبهم من الكتاب العربي على الدقة لأنه الأنقى، والأصدق، والأبقى.

نفايات الكتب!

* وتتحدث عن هذه العلاقة الكاتبة آمنة المنصوري لتقول: تشكلت المكتبة الخاصة بي منذ كنت طفلة في التاسعة من عمري، لم أكن أشتري الكتب آنذاك، ولم أكن لأحصل على المال الكافي لشراء أي مطبوعة أو كتاب غير درهمي يوم الأربعاء لشراء مجلة ماجد فقط؛ لكنني كنت أعيش في حي شعبي متواضع وكان لنا جار مغترب يعمل مدرساً في إحدى المدارس، كان عازباً وحيداً في حي لا يسكنه سوى العائلات، لهذا كان منبوذاً أو هكذا كنت أظنه.

في نهاية كل عام دراسي كان المغترب الغريب يلقي ببقايا كتب العام الدراسي وبعض كتبه في حاوية المهملات الخاصة بالحي قبل إجازته السنوية ثم يسافر، وكنت أنا أنتظر رحيله بفارغ الصبر كي أجمع حصيلة العام فكان من أوائل الكتب التي اقتنيتها بقايا كتب المنفلوطي، وديوان إبراهيم وتراجم رفاعة الطهطاوي وغيرها، ومن المضحك أنني كلما قرأت كتاباً ووجدت فيه صفحة مفقودة حملت قلما وورقة ورحت أخمن ما قد يكون في الصفحات تلك وألصقها بالكتاب حتى يكتمل. ب

عد أن كبرت قليلاً صار للمكتبة المدرسية دور مهم في حياتي، وخاصة حصة القراءة الحرة، وبت أجمع مصروفي اليومي واشتري بعض الكتب المتوفرة في مكتبات القرطاسية حتى بداية الثمانينات حيث تم تنظيم معرض الشارقة الدولي للكتاب، والذي كانت المدارس تخصص له يوماً للزيارة. وكان هو المعين الذي اشتري منه كل ما تطاله يدي من كتب أظل أقرؤها في أوقات فراغي حتى موعد المعرض الذي يليه وإلى يومي هذا.

واليوم صار لي مكتبة خاصه في غرفة صغيرة منفصلة في منزلي، تتزاحم الكتب في كل أرجائها لتحدث فوضى من نوع خاص؛ لا أسكن ولا أرتاح يومياً بعد عناء يوم طويل إلا وأنا بين جدرانها.

ورغم كثرة المسؤوليات والالتزامات يظل للكتاب نصيب شبه شهري من دخلي؛ فأنا أتابع آخر ما تصدره دور النشر المحلية والعربية وأدون العناوين التي أرغب في اقتنائها باستمرار في قائمة خاصة أرسلها لبعض الموزعين ليوفروها لي، ولم يخطر ببالي لليوم حصر عدد الكتب التي تحتويها مكتبتي وما جاورها من مساحات؛ لكني لا أظنها تقل عن الثلاثمئة عنوان أو تزيد.

وفي مقر عملي أحتفظ بمكتبة صغيرة هي بمثابة محطة انتظار أضع فيها كل شهر مجموعة كتب كي أقرأها إن تسنت لي الفرص فإن انتهيت ضممتها لمكتبتي المنزلية وجئت بمجموعة أخرى بالإضافه لمجموعة من المراجع والمعاجم الثابتة فيها.

ويصعب علي المفاضلة بين كتاب وآخر، وهناك العديد من العناوين التي أعود لقراءتها مراراً وتكراراً ولا أمل القراءة فيها مطلقاً على سبيل المثال لا الحصر نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، قصص العرب، كتاب تراثنا من الشعر الشعبي لحمد أبو شهاب، كتاب الإمارات في ذاكرة أبنائها لعبدالله عبدالرحمن وهناك فقه اللغه وأسرار العربية لأبي منصور الثعالبي، ومجموعة من كتب عبدالوهاب مطاوع وغيرها.

* أما الباحثة فاطمة أحمد المغني فتقول.. حبي للكتب والقراءة بدأ منذ الطفولة خاصة أننا نحن الجيل الأول الذي يقتني مجلة العربي بحكم تردد الأهل على دولة الكويت في تلك المرحلة، وكنا نتبادل الكتب مع الصديقات حتى تعم الفائدة خاصة أن عدد القراء وقتها كان قليلا، إضافة إلى عدم الوعي بأهمية القراءة وبضرورة التعليم الذي كان قليلا، حيث كان المتعلمون يتجمعون لكتابة الرسائل للمقربين من أقربائهم ممن لهم فرد مغترب وبعيد. وعن أول مكتبة كونتها تقول: كانت في بيت الوالد وكانت مشتركة أنشئت بالتعاون مع الأشقاء والشقيقات.

أما تكوين أول مكتبة خاصة بي فإنني أدين بالفضل لشقيقي علي، واعتبره من أسسها لي؛ لأنه إهداني أول كتب لمكتبتي وكانت كثيرة ومهمة، والمكتبة كانت بدائية والكتب منها القديم والحديث الصادر من بيروت. وتضيف: امتلك بعض الكتب المصورة من كتب قديمة، وامتلك كتبا من أيام الاتحاد وبداياته، وهذه قد أعيرها وأستعيدها، وأحيانا أرفض الإعارة وأفضل قراءتها عندي أو تصويرها، هكذا أتعامل مع من لا أثق في استعادة كتبي منه.

تحوي مكتبتي أكثر من 1800 كتاب، ولدي الكثير من الدوريات القديمة، ومنها تتحدث عن تراث الإمارات، لدي مجلات ودوريات صدرت للطفل من العراق في السبعينات. أما عن أفضل كتاب بالنسبة لي فهو (دليل البحث الميداني) لعبدالله الصويان، وهذا ارجع إليه كل حين وبحنين، وكتاب آخر عن الشيخ زايد رحمه الله لأنه يشحذني بدفعة للعمل كلما مللت، وهو من الكتب التي تناولت انجازاته، لذلك فهو يمنحني قوة ودافعا لمواصلة العمل.

لدي كتب متنوعة منها المعارف العامة الديانات وجزء كبير في العلوم الاجتماعية وقد وضعت لها تصنيفا منظما بحيث لا يستغرق الباحث وقتا وجهداً كبيرين كما جهزتها بمقاعد وطاولات للقراءة لي ولأولادي نجتمع للقراءة ليعتادوا على القراءة، تتضمن المكتبة 8 أقسام الانجليزية والفلسفة وعلم النفس والآداب والبحوث والدراسات والتاريخ والجغرافيا والتراجم والفنون والمجلات والدوريات، وهي مفتوحة للجميع وليست مقتصرة عليّ وأولادي؛ لكنها متاحة للعامة، لذلك وضعت نظاما للإعارة يحتوي الاسم ورقم الهاتف.

المكتبة بالنسبة لي مشروع مجتمعي. وعن علاقتها تقول: مكتبي فيها مما يعني أهميتها في يومي. أحب الكتب إلى نفسي (حياة زايد الفارس الذي قهر الصحراء) لعوض العرشاني ووقائع دولة الإمارات منذ إنشائها من بداية الاتحاد، واسترجع على الدوام تاريخ الإمارات.

تحقيق: فاطمة محمد الهديدي