ينهج القاص والروائي اللبناني علي سرور في روايته «ميكانيك الغرام» منهجاً يسترسل في سرد الأحداث بتقنية تتفرد بخصوصية فريدة،إذ يتفرد سرور في سرد المشهد الروائي بمهارة عالية تعبث بعيداً في فضاء اليومي، فالسرد للأحداث عند سرور يتخذ شكلاً مغايراً للسرد العادي، وكأننا أمام نص يشي بواقعية تقترب من اللغة بحرية ودراية تعي ملامح النص المفتوح الذي يشير، ويمعن في الإفصاح عن المخفي في الذات الإنسانية.

يعتبر سرور أن ذاكرة الحرب اللبنانية هي الشعار الفضفاض لمشهدية بانورامية تحتوي على ما لا يمكن تخيله، ولهذا يعتبر سرور إن الرواية وكتابتها بمثابة صياغة جديدة للحرب وقساوتها.في هذا اللقاء يكشف علي سرور عن هواجس الكتابة واشكالياتها.

ـ «ميكانيك الغرام»عنوان أقرب إلى السوريالية، كيف زاوجت بين نبض الروح وخشونة المادة؟

ـ أعتقد أن من مهمة الروائي جمع ما لا يجمع، وخلط ما لا يمكن تفكير إمكانية خلقه، وذلك لأن من مهمة الروائي فعل الصدمة في الآخر. بعد صدور روايتي كان الإعجاب بالعنوان أولاً، وبالمضمون ثانياً ولولا الإعجاب بالعنوان ما كان بإمكاني أن أشد القارئ إلى المضمون الذي أكد للقارئ أن الروائي لماح، وشفاف وذكي. إن «ميكانيك الغرام» كعنوان استطاع أن يجمع بين نقيضين، بين الميكانيك بمعناه الحركي، وبين الروح بمعناها الإنساني.

ـ تعكس الرواية نبض الحياة اليومية والعامة، كيف دخلت إلى تفاصيل هذه الحياة، وما هي العوامل التي حركت هذا النبض؟

ـ تقوم الرواية على ذاكرة الحرب من خلال (جميل أنيس) الشخصية الرئيسة فيها، وهو مكلف من قبل قيادة إحدى الأحزاب بصياغة بيان الثورة، وعندما نتحدث عن الحرب تنفتح أمامنا مشهدية بانورامية تحتوي على ما يمكن التفكير فيه، وعلى ما يمكن تخيله، وعلى ما يمكن أن يكون الواقع بعينه، وكما تعلم الحرب اللبنانية كانت من أطول الحروب، وعليه ليس عجباً أن تعيد الرواية صياغة الحرب بطريقة جديدة، وبروح جريئة،وبنفس طيب،وبأدوات مبتكرة. إن الجمع في الرواية ما بين الحرب والغرام هو إعادة صياغة للحرب واللذة في خندق المواجهة.

ـ هل هذه الرواية لأجل قول ما لا يمكن البوح فيه إلا بالرواية، ولماذا؟

ـ الرواية هي إحدى طرق التعبير، والرواية بمنظوري هي إعادة خلق الواقع ممزوجاً بخيال ما،أو برؤية شخصيات الرواية لماضيها، وهي بذلك تقوم بعرض واقعها من أجل ربما نقد هذا الواقع، أو من أجل محاكمته، أو من أجل إدانته،أو من أجل تأكيد التمسك فيه،ولكن برؤية مختلفة،وبنظرة مختلفة عما كان الواقع. الرواية هي عالم واسع، وهي مختبر لا يوجد فيه محرم،ولا يوجد محظور. ولا مقموع. الرواية هي عالم واسع،وحين أكتب لا أفكر إلا بحرية الكتابة، ومن دون هذه الحرية تساوي صفراً.

ـ إلى أي مدى تستطيع الرواية استعراض الحياة الحميمة بين البشر؟

ـ هذه هي الإشكالية الكبرى والالتباس الأكبر،وعندما نعود إلى ما أشرت إليه تبدأ الوساوس بالخروج من قمقمها، وهنا تكمن قدرة الروائي في التعامل أو إظهار هواجس الشخصيات وأحاسيسها ومشاعرها وانفعالاتها وصراعاتها.

ولا أخفيك أمراً أن خروج الوساوس بحاجة إلى حذر شديد، ولكن يبقى السؤال هل يستطيع الروائي أن يقمع وساوس شخصياته، وتحديداً وساوس الغرام ورغباته. هل يمكن للغرام أن يقمع، وإذا قمع ماذا يبقى منه. أليس الغرام هو الحرية المطلقة؟

ـ أين تجد شخصيتك داخل سياق رواياتك؟

ـ أنا موجود،ولكن نسبة هذا الوجود تضعف أو تقوى حسب الضرورات الفنية، وأنا غير موجود بتاتاً، لأن الرواية ليست سيرة ذاتية فقط. فالرواية هي شاهدة على عصرها وزمانها ووقتها. دعني أصارحك أنا ابن الحرب، وقد كنت في صميمها وعليه لا أرى مستغرباً أن أكون موجوداً بنسبة كبيرة أو صغيرة فيها. وهذا الوجود هو وجود عام. أنا ببساطة أمثل جيلاً عاش الحرب مثلما عشتها تماما.

ـ هل تعتبر أننا اليوم نعيش في عصر الرواية؟

ـ نحن اليوم في عصر الرواية، وفي عصر غيرها من الفنون، والإبداعات، والاكتشافات. نحن في عصر قبضة اليد، ولمسة الزر،ونحن في عصر بساط الريح،ومع ذلك لا يمكن إدعاء أن هذا العصر هو عصر الرواية،أو غيرها من الفنون الأخرى. يبقى للفنون الأخرى حضورها الواضح،وبالطبع إننا في وقت تحتل فيه الرواية مساحة واسعة من رفوف المكتبات، أو واجهات العرض.

ـ لماذا اخترت الرواية سبيلا للتعبير، في حين كتبت سابقاً غير الرواية؟

ـ كتبت الشعر، والقصة الصغيرة. كنت حاضراً على مدى سنوات في النقد الأدبي، وفي الصحافة اليومية. في نهاية الأمر أخذت بنصيحة جدي الذي له يعود الفضل في اكتشافي كحكواتي وكنت حكواتيه الخاص وقد أشار لي أن أواظب على تحصيل العلم والمعارف لسبب بسيط كما كان يقول لي أن أمهد طريقي إلى الكتابة، وقد أخذت عهداً على نفسي أن ألتزم بما قاله لي جدي، ولهذا قررت الكتابة.

ـ هل كتاباتك تسعى إلى قول، وشرح واقع معين، ولماذا؟

ـ ليس بالضرورة استخدام هذه التعابير. الكاتب عندما يكتب يفكر بأمر جوهري وهو أن يعيد صياغة العالم بشكل آخر، وفي هذا العالم الذي كتبه أشياء يمكن أن تتشابه مع العالم الذي يحياه، ويمكن أن تتناقض معه، وفي الحالين على الكتابة أن تكون مقنعةً، وأي كتابة تفتقد إلى هذا العنصر الأساسي تكون كتابة رخوة، وهشة، وتحفر قبرها بيديها، وبالطبع لن يمشي وراءها أي من المشيعين.

بيروت ـ سامي نيال