حين وطأت قدماي بساط بيروت للمرة الألف، خلت النعناع في مزهرية جارتنا العاقر يبس عن بكرة أبيه، معزيا نفسي بغربة كانت سلبتني أعز ما أملك، وأشتهي من صقيع المدن.
المدن تفضي إلى الخراب
يعمها النعاس حين يتثاءب نجم ما.
حسنا أعزي نفسي الليلة، وأقتبس بعض قصصي التي كنت أصوغها سنة 1982.
عن كثبٍ أصفي السرساب جيداً
ألطِف من روعه الخجول
ملقنا إياه بعض الهفوات على أمل أن يصير غيمة تمطرنا جميعا...
أرصفة بيروت مزنرة بخيوط صفراء تشي بجريمة قد تحدث قريباً.
يتسارع الرائع فينا مخافة أن يكون الضحية.
امرأة عجوز تقتحم صمتي قائلة:
إنها مدينة الضباب، وفي الضباب تضيع الأمكنة، ويعم الخراب.
أسألها مستفسراً ربما كنت الضحية التالية
تضحك بخفة قائلةً: متَ منذ زمن بعيد
ها أنا أراك تتلقف الصمتَ كما لو أنك أخرس.
أتابع العدو مسترسلاً في اكتشافي لصقيع مدينتي
أجد مقهى الويمبي بحجاراته المترامية يتذكرني بين طاولاته العتيقة، مطلقاً علي رصاصات الرحمة المتبقية بين جدرانه المتصدعة.
إنها مدينة الفراغ.
صوت ما يعاتبني بقسوة عارمة.
أتلفت يمنةً أرى ساعدي يرتجف
أتعامل معه كما لو أنني لا أرى.
يمر مجنون الحي سائلا عن درب السلامة
أرشده إلى بعض ما أذكر من أرصفة كنت أتقاذفها بخطواتي المتكسرة.
يتابع المضي بسنواتي المتبقية بعجل، وكأنه لا يراني.
الخيوط الصفراء نفسها ترشدني إلى مركز العناية المفرطة.
أصل عتباتها منهكاً شاكراً الله على السلامة.
أحدهم يتقدمني كما يحدث عادةً.
أحاول الجري بعناد متواصل على أمل أن يخافني
لا يعيرني اهتماما،وبيديه مقص الخرافة يلمع كفانوس أسطوري.
أخطفه بنزق محاولاً مسحه بدراية قائلاً:
بلادي تحترق
بلادي جرائم متعاقبة.
شرطي السير ينسى مهامه الروتينية
يلقي القبض على ما أملك من نوافذ الحي.
السؤال الأول: لماذا تجول في عواصم تعبك؟
الجواب: ببساطة إنني منكسر الخاطر.
السؤال التالي: وماذا تفعل على أرصفة مدينة الخراب؟
الجواب: أتفحص أمكنتي المتبقية.
النتيجة: أغافله باتجاه الضاحية الجنوبية
على أمل أن أعرف طريق العودة على متن أول طائرة غافية.
في طريق العودة من الوطن
ألمح صوري تتداعى
تتناثر كإبريق الزيت.
على الحاجز الأمني ثمة مارة يتراشقون بعض أحاديثهم المتخفية.
أحاول التسابق فيما بينهم
تستوقفني عيارات نارية.
في حالة العجب لا تستوقفني صرخات مقذوفة في الفراغ.
الكلمات تستعيد طبيعتها الأولى.
يبدو الطريق كلمة منسية، متعددة المعاني،ومن الجائز الآن أن تهب عواصف تعوض ذلك الرصيف خطواته.
إنها لغة مبهمة البصمات، وهي عرضة لهبوب رياح جديدة.