ضمن الخطة الإستراتيجية لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث لنشر المعرفة بطريقة علمية ومنهجية، وتشجيع حركة النشر والتأليف في المنطقة والعالم، صدر عن الهيئة مجموعة جديدة من المؤلفات الهامة، منها: الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي: سلطان العارفين وإمام المحققين وبقية المجتهدين- تأليف محمد رياض المالح، الحماسة لأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري، تحقيق محمد إبراهيم حور وأحمد محمد عبيد، رحلة إلى الصير- عن زيارات علوي بن أحمد الحداد إلى رأس الخيمة في القرن الثامن عشر- إعداد أحمد راشد ثاني.

في الكتاب الخاص بالشيخ الأكبر بن عربي، تتزاوج الثقافة العربية بالغربية؛ عبر التقديم الجميل والعميق للشاعر الاسباني فرنسيسكو كارسيا البرديخو، وفي هذا الكتاب ترجمة وافية لعملاق من عمالقة الفكر الإنساني وفيلسوف من الفلاسفة الذين لم يختلف الناس في كل زمان ومكان على أحد كاختلافهم عليه.

ويعتبر بحراً من بحور العربية، ومحيطاً من محيطات التصوف وقاموساً من قواميس الفلسفة الإنسانية، هو الشيخ الأكبر الذي لم يطلق هذا الاسم على أحد إلا عليه، فغدا علماً وشخصية فذة في تاريخ الحضارة، ويشتمل الكتاب على ترجمة كاملة لحياته منذ مولده وحتى وفاته، علاوة على فهرسة شاملة لمؤلفاته، وأماكن وجودها في مكتبات العالم.

أما كتاب شعر الحماسة عند البحتري الذي يأتي في المرتبة الخامسة من حيث الترتيب الزمني بين أصحاب الاختيارات الشعرية وما اصطلح عليه بمعلقات العرب والمفضليات والأصمعيات وحماسة أبي تمام ثم حماسة البحتري وتعد حماسة البحتري مصدراً مهماً من مصادر التراث الأدبي عند العرب، بما بما اشتملت عليه من مادة شعرية نادرة لم تتوفر إلا فيها، وما انفردت به من ذكر شعراء لم نعرف كثيراً منهم إلا من خلالها، وبالمنهج الذي اتبعه البحتري في الاختيار والتبويب الذي انفرد به بين أصحاب الاختيارات الشعرية.

أما الكتاب الذي أعده الشاعر والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني، ففيه أكثر من حكاية، إلا أن الحكاية الأهم هي أن أحد المؤلفين المتصوفة الحضارمة قد قام برحلة إلى رأس الخيمة والعين في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ودوّن بعض ما جرى له في المنطقة في إحدى مؤلفاته التي مازالت مخطوطة، وتدور فصول هذا الكتاب حول هذه الحكاية أو الرحلة تحديداً بما تنطوي عليه من حكايات ورحلات كرحلة زين العابدين الحداد إلى الصير واستقراره هناك حتى وفاته.

أو حكاية اكتشاف قصائد لشاعر لم نكن نعرف عنه إلا القليل هو صالح المنتفقي ساكن الصير والذي ارتحل كذلك من البصرة واستقر في هذه المنطقة. يذكر أن دار الكتب الوطنية بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث تعتبر من أهم دور النشر العربية، وقد وصل رصيدها من الإصدارات إلى المئات من الكتب في شتى فروع المعرفة، بالإضافة إلى ترجمات لأمهات التراث العالمي.

من جانب آخر نظمت مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون بالتعاون مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث سلسلة محاضرات وزيارات لطلبة كل من جامعة زايد وكليات التقنية العليا في أرجاء معرض (في رحاب التاريخ الإسلامي) الذي افتتحه مساء يوم الثلاثاء الماضي معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي في المجمع الثقافي بحضور حشد من كبار الشخصيات والدبلوماسيين وأكثر من 1000 شخص من عشاق الفن الإسلامي، ويقام المعرض تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون.

ويزور المعرض يومياً المئات من الطالبات والطلاب من مختلف المدارس والمعاهد والجامعات، وذلك في إطار استراتيجية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث لتنمية الشعور والفخر بالتراث العربي والإسلامي لدى مختلف شرائح المجتمع، حيث يرافقهم في جولاتهم ضمن المعرض الدكتور عبد اللطيف كانو الذي يمثل المعرض مجموعة من مقتنياته الشخصية النادرة.

حيث قدم للطلبة شرحاً وافياً حول كل قطعة موجودة في المعرض مؤكداً على عظمة الحضارة الإسلامية، وأهمية الحفاظ على الموروث الإسلامي الغني، وفي سياق الجولة عرّف د. كانو الطلبة على القطع النادرة التي يحتويها المعرض ومنها كأس لمياه الشرب يعود تاريخها إلى القرن الثاني للهجرة، و آنية خزفية كتب عليها بأحرف نافرة لفظ الجلالة (الله) وتعتبر هذه القطعة من أندر الخزفيات في العالم كون النحت على الخزف صعب جداً، بالإضافة إلى شمعدان مصنوع من المعادن ورصف بالخزف.

وقد أكد د. كانو أن الجمع بين الخزف والمعدن شبه مستحيل ومن هنا جاءت الأهمية الجمالية لهذه القطعة التي تثبت براعة الصانع المسلم الذي كان يصنع الأدوات المنزلية وغيرها من الأدوات والتي بالرغم من كونها للاستخدام اليومي، فإنه لم يهمل الجانب الفني الجمالي في تكوينها.

وهذا يدل على الذوق الرفيع والحس المرهف بجمال مفردات الحياة لدى الصانع المسلم، وعبر الطلبة خلال جولتهم في المعرض عن إعجابهم الشديد بالمخطوطات الإسلامية النادرة، وأساليب كتابتها وزخرفتها بالطريقة الجميلة التي جمعت بين الزجاج والخزف في عدد من الأواني المعروضة، كما أبدت الطالبات إعجابهن الشديد بجمال تصاميم الحلي المعروضة، وندرة المواد الخام التي استخدمت في صنعها، بالإضافة إلى تماشيها مع أحدث صيحات الموضة في عالم مجوهرات عصرنا الحالي.

وقد أكدّ د. كانو على تأثر الإنسان المسلم وتأمله بالكون والطبيعة التي حوله بوحي من ثقافته الإسلامية التي تدعو إلى التمعن بكل مفردات الحياة المحيطة بنا، لذلك جاء إنتاجه معبراً عن هذه الثقافة وتلك الطريقة في العيش، كما أعرب عن أمله في أن يستفيد الطلبة من هذا المعرض ويأخذون منه العبرة والشعور بالعزة والفخار لانتمائهم الإسلامي بما يشكل حافزاً قوياً لديهم على مواصلة مسيرة الحفاظ على هذا الإرث المتنوع و الثري، وبناء مستقبل أفضل يستوحي من ذلك الموروث العظيم.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري