جلست ترشف فنجانها بكل لذة وحميمية بعد افتقادها للقهوة طوال اليوم.. الناظر إليها يتمنى أن يشاركها الابحار في ذاكرة البخار الممزوجة بمساء رمضاني جميل، وأحلام لا تملأ قبضة اليد، وآمال تسكن حواف الذاكرة.. تمنّت أن تتدفق هذه الآمال الطموحة إلى واقع كحال الزمن مع رشفة القهوة..
حين تسترجع ذاكرتها مع أنفاس الهموم.. تلوم نفسها وتستدرج أسئلتها مع سلسة الفقاعات التي أخذت مكانها فوق سطح الفنجان أسئلة متشابكة تجول وتتسرب مع الفقاعات.. سؤال للحيرة وآخر لليقين.. ترى كيف يعطي الإنسان كل شيء لمن لا يستحق؟! أمور كثيرة تميد بك وأنت تشرب فنجانك في ساعات الهدوء، فلا تخلو اللحظات من المفاجآت وزحام الأعمال، وأحيانا وجع الحروف الذي يسري في دمك.
عندما تحرك بأناملك صفحات الجريدة وتقع عينك على شريط الأخبار.. لا جديد سوى الدمار والنكبات في كل مكان.. غلاء في المعيشة يزداد يوماً بعد يوم، وحتى القهوة التي تشربها تكثّف هذا الغلاء. تسقط ضحية الأسئلة فلا تجد الإجابة.. فقنوات الفكر متعبة، والشرود في مدارج العبث والقلق يطاردك..
في رجليك إحساس بالثقل وأنت تجرهما خلفك لأنك لم ترسم خط سيرك في هذه الحياة المزعجة.. العواصف تتقاذفك.. والأيام توهمك براحة مزيفة، والسويعات تدور بك وتجعلك ضحية زمن لا يرحم.. فنجان القهوة يتمايل مع الخواطر، وأنت تنظر مشدوها فارغ الذهن والفؤاد.. أحياناً تلجأ إلى التلفاز لتخرج من مربعك القلق..
تتداعى مع واقع افتراضي يبنيه عرّابو الدراما السهلة، والترويج الرخيص. مسلسلات عربية مُخاتلة وأخرى خليجية لا تجد فيها سوى الضرب والصفع على وجوه الممثلات. وتتساءل.. ماذا لو شوهدت هذه المسلسلات في الغرب؟ ولماذا نقدم على أنفسنا دوماً شهادات دامغة باحتقارنا المرأة وهدر آدميتها؟ أية فكرة يأخذونها عنا وأجواؤنا مليئة بالصراخ والضرب.
رأفة بنا أيها المنتجون اللاهثون وراء الكسب السهل.. لا تجعلونا هدفاً يضاف إلى كل البلايا والتشوهات التي تحيط بنا.. لا تقدموا المزيد من شهادات الزور ضد حياتنا ومستقبلنا.. اتركونا نرتشف قهوة الإفطار ونحن في سلام وتصالح مع أنفسنا فنحن لم نعد بحاجة إلى المزيد من الجراحات والآلام.
أسماء الزرعوني