يقدم المخرج الفرنسي جان فرانسوا سيفادييه Jean-François Sévadier أحد أكبر العروض المسرحية في باريس حيث يقدم رؤية جديدة لمسرحية الملك لير لشكسبير على مسرح الأماندييهThéâtre des Amandiers حتى نهاية شهر أكتوبر.

تستغرق مدة العرض ثلاث ساعات ونصف وهنا فإن الإخراج المحكم لهذه المسرحية والأداء المتميز للممثلين يجعلان المتفرج في حالة تركيز مستمر بانتظار تتمة الأحداث.سبق وعرضت هذه المسرحية الكبيرة في مهرجان أفينيون الماضي على خشبة قاعة الشرف في قصر البابوات التي تعتبر من أكبر مسارح أفينيون حيث تتسع لألفي متفرج.

هذه المسرحية التي كتبها شكسبير عام 1603 تحتوي على حبكتين متساويتين على طول العرض : يقرر الملك لير توزيع مملكته على فتياته الثلاث : غونريل، ريغان وكورديليا، شرط أن تبرهن كل واحدة منهن على حبها له.

تقوم كل من غونريل وريغان بالحديث مطولا عن فضائل الملك لير ومدى محبتهما له بينما تعتذر كورديليا حيث أنها لا تستطيع أن تعبر له عن حبها له بمجرد الكلام الأمر الذي يثير حفيظة الملك لير فيحرمها من الميراث ويوزع مملكته على غونريل وريغان كما يعاقب كنت الفارس المخلص الذي يحميه.

تتزوج كورديليا من ملك فرنسا وتهجر مملكة أبيها أما الملك لير فيقرر أنه سيقضي كل شهر عند واحدة من ابنتيه الاثنتين يرافقه مئة فارس. عندما يتخلى الملك لير عن عرشه يخرج إلى اللاشيء ويتغير العالم من حوله فتتصرف أبنتاه الكبيرتان بوحشية معه وتطرداه من مملكته فيقرر أن يهجر العالم إلى مكان بعيد.

«أن نكون أو لا نكون» هذا هو موضوع المسرحية حيث أن شكسبير يركز على مواضيع هامة مثل الوجود وينتقد الرغبة الجامحة للأشخاص بالتملك والوصول إلى السلطة وتشظي العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة. يتعرض الملك لير لتجربة قاسية بعد أن نزعت منه أملاكه

فيفقد عقله ويهذي متذكرا آخر أيام حكمه وهنا يبدو أن المسرحية تركز على موضوع الشفقة فتقدم بذلك درسا أخلاقيا عبر صورة ذلك الملك تخلى عن عرشه معتقدا أنه سيسيطر على حالة التجرد التي وضع نفسه فيها. لقد مزق ثيابه في عزلته وتعرض لقسوة العواصف وبردها.

بعد أن أخرج جان بيير سيفادييه مسرحيات لبومارشيه وبريشت وبوشنر يتعرض بجسارة لهذه المسرحية الشكسبيرية مقدما رؤية إخراجية جديدة حيث أننا نرى منصة كبيرة على الخشبة غطيت بقماش أحمر كبير بحيث ترمز للبلاط الملكي. وهو يعتمد تقنية الخشبة العارية في الكثير من المشاهد بحيث أنه يركز على إلقاء الممثلين للنص أمام الجمهور.

أحد التغييرات التي قام بها المخرج سيفادييه تتمثل بأنه جعل أحد الممثلين الشباب يؤدي دور ابنة الملك لير كما يؤدي دور المجنون امرأة. يلتزم المخرج وممثلوه بتقديم عرض متماسك جيد الأداء على مستوى الحبكة الشكسبيرية وهنا فإن الممثل نيكولا بوشو الذي يؤدي دور الملك لير يبدو أنه نقطة ارتكاز العرض حيث أن أداءه يتميز عن باقي الممثلين فهو يجسد عظمة الملك لير ومأساته على الخشبة.

يقول المخرج جان فرانسوا سيفادييه عن العرض :«في هذه المسرحية يبدأ المسرح من اللاشيء. وعندما تبوح كورديليا بهذه الكلمة فإنها تجعل أباها، الذي يملك كل شيء، يتعرض لأكبر المحن. ألا يكمن جوهر المسرح في اللحظات المصيرية هذه ؟

إنها تمنحه حبا نقيا غير مشروط بعبارات كما فعلت أختاها. وهكذا فإن شخصيات المسرحية يقضون وقتهم وهم يتبادلون أماكن الهوية محاولين أن يعرفوا هويتهم الحقيقية. إن المسألة الكبيرة التي تطرحها تراجيديا الملك لير هي «أن نكون أو لا نكون».

باريس ـ منتجب صقر