تتميز أعمال الفنان الفوتوغرافي محمد كاظم بالنظرة الثاقبة لماهية الأشياء الموجودة في الطبيعة، فهو على اتصال دائم ببيئته بما تحويه من إشكاليات وعناصر، وهو دؤوب على تغيير هذه العناصر بمضامينها ليدرجها ضمن ورشه الفنية. انه مراقب جيد للمتغيرات، يتأمل ويراقب بعمق لإيجاد الغموض المتركز في المشاهد، والتصرفات المترجمة في أعماله تعكس هذه الصورة.
يركز الفنان كاظم في معارضه الفنية على اختبار الجمهور وكيفية تعاطيه مع أعماله المعروضة، ويرى ثمة فجوة ما بين الجمهور والفن، مما يشكل إشكالية أخرى. بمناسبة مشاركته في بينالي طشقند.
ـ تحمل أعمالك تحاليل معقدة لعناصر اجتماعية نفسية بما تتضمنه من تصرفات تلقائية طبيعية لماذا تعتمد هذه التقنية؟
ـ طبيعة أعمالي لها علاقة وثيقة بالبيئة ومتغيراتها، وكما تعلم إن البيئة متشعبة بعناصر أخرى متشعبة منها المادية والطبيعية، ومنها الأنظمة الاجتماعية والسياسية. يمكنك القول إن طبيعة أعمالي لها علاقة مع الذاتانية، بمعنى بعض أعمالي لا تقدم أي حلول حول أية قضية، بينما الجانب الآخر من أعمالي يتسم بالجانبين الموضوعي والذاتي.
أحاول على سبيل المثال أن أتفاعل مع بيئة مباشرة من خلال استخدامي للصورة الفوتوغرافية كتوثيق، وقد يكون استخدام كاميرا الفيديو عاملا أساسيا للاستفادة من عناصر الحركة، والصوت كجزء مكمل للعمل، وفي بعض الأحيان إذا كانت الأدوات التقليدية تساهم مع الفكرة فأستخدمها بشرط أن تكون جميع هذه العناصر تقدم افتراضا فنيا حول الزمن، أو الأمور التي تواكب الزمن. على كل فنان أن يحمل رؤية بصرية للمشاهد.
ـ تبدو في أعمالك الفنية انك تركز على استخدام أدوات بسيطة مكونة من ممارسات يومية تعكس انشغالك الدؤوب بشؤونك الفكرية والاجتماعية هل من مغزى من ذلك؟
ـ لا أقدم في فني أجوبة جازمة حول قضايا عامة، ولكن أحاول أن أثيرها باستخدام مواد بسيطة، وفي بعض الأحيان اخترق هذه الصورة وأتعامل مع أصحاب هذه المؤسسات بشكل مباشر أثناء الإنتاج أستعين بالمصانع والحرفيين لإنتاج العمل الفني وأحاول أن أخلق نوعا من التناسق البيئي باستخدام تقنيات معينة.
هذه النوعية من الأعمال يوجد لديها تناسق، أو هارموني كما هو موجود في الأعمال التقليدية. يمكننا القول هنا أن عملية العمل المعاصر تختلف عن الأعمال التي أنتجتها قبل خمسة عشر عاما. ميزة الفن البصري المعاصر أنه يتيح للفنان أن يستخدم جميع الوسائل التي تخدم الفكرة.
ـ انك على ارتباط تام ووثيق ببيئتك، وهذا ما يجعلك أن تقدم للمشاهد رسوماتك على شكل قصة. لما ترتكز على المشهدية في فنك؟
ـ أنا من أنصار الانفتاح على الفكرة، وأحاول أن تكون صياغتها مختلفة، وبعض أعمالي هي سرد لرواية بصرية والبعض الآخر قد تختلف هذه السمات فيه من أجل إعطاء المشاهد تفاعل آخر أثناء رؤية العمل المعروض، وفي بعض الأحيان أترجم المادة المكتوبة إلى صيغة بصرية لأنها تعكس عصر الصورة،
وإيصالها هنا يكون أسرع من اللغة، ولكن في فترة ما أحاول رصد الإيماءات، والحركات الجسدية للإنسان، ففي عملي الفني صندوق، وهو عبارة عن صندوق خشبي يحتوي على صور فونوغرافية بارتفاعي، وعلى المشاهد إذا أراد أن يتفاعل مع العمل عليه رؤية العمل بالطريقة الجسدية التي تم أداؤها أثناء إنتاج العمل الفني. المطلوب من الفنان أن يتفاعل جسديا مع عمله الفني.
ـ في عملك «اتجاهات» استخدمت الأرقام التوثيقية المحددة لمواقع الأشياء والأمكنة. ما تحديدك لجغرافية المدينة اليوم؟
ـ في أعمالي الفنية أنظر نظرة تهكمية لبعض الأمور الحياتية، وأثناء استخدامي لجهاز ج ب س، وهو جهاز لرصد الأحداثيات الجغرافية لتحديد المواقع، وأنا أوظفه بسمة مختلفة للاستخدام، وعلى سبيل المثال في عملي اتجاهات2002 كان عبارة عن قطعة خشبية محفور عليها الأحداثيات الجغرافية للمنطقة المطلة على المحيط الهندي،
وميزة هذا العمل انه من عشر قطع خشبية وكلها من نسخة واحدة رميتها كلها في البحر باستخدام العنصر الطبيعي حيث أن هذه القطع تخترق الخطوط الجغرافية التي وضعتها السلطات السياسية في العالم. أنا مع إلغاء الخطوط أو التضاريس الجغرافية، وأقصد نحن كبشر يجب أن نصنع صيغا مختلفة حول المجتمع. نستطيع من خلال التسامح والاتصال مع الآخر أن نصل هذه الصورة. الفنان الصادق هو من يتعامل مع الجغرافية من منظور آخر.
ـ هل يمكن التحدث عن فجوة بين الفن والجمهور في دولة الإمارات؟
ـ بالطبع هناك فجوة كبيرة بين الجمهور والعمل الفني في الإمارات، ويمكن امتصاص هذه الحالة في التعليم. بمعنى يجب أن تدرس الفنون في المعاهد، والمدارس الحكومية بفروعها كافة. ويجب أن تتوفر كوادر مثقفة بمقدورها إدارة الخطة التي وضعتها الدولة.
ولا ننسى هنا على دور النشر العربية أن تقوم بترجمة وطباعة الكتب الفنية. إن تنظيم الندوات التثقيفية يساعد كثيرا في تثقيف المتلقي وتدفعه للتعاطي مع الفن بصورة أخرى. باختصار على الفعاليات الفنية أن تكون حريصة من خلال اختيارها للأعمال الفنية أن تقدم الجمالية للمشاهد.
ـ تركز على اختبار الجمهور وتعاطيه مع الفن. لماذا تستخدم هذه التقنية؟
ـ الفجوة ما بين الجمهور والفنان موجودة في العالم كافة. ولكن بنسبة مختلفة، وهنا ارجع لسؤالك أن غياب الدور الإيجابي للمؤسسات، وتفاعلها مع الفنون دفعنا للقيام بأدوار اجتماعية كتدريس الفنون، وإلقاء المحاضرات لإيصال الفن بطريقة تتفاعل مع المتلقي. إن الفنان هو صاحب الفكرة، وليس من واجبه أن يتراجع عن تقديم آرائه، وأفكاره لخلل في التعاطي مع طبيعة العمل الفني المعاصر.
ـ ما سر اختيارك للأعمدة في عملك الفني الجديد صواري. هل هناك من رمز ما وراء هذا الاستخدام؟
ـ إن الأشكال العمودية مثل «الأبراج» و«الأعمدة» تثير انتباهي كثيرا من الناحية البصرية.. الفكرية.. الاجتماعية.. الاقتصادية.. السياسية والبيئية.. فهي تذكرني بالمساحات.. الخطوط الأفقية والفضاء الأفقي.. فنحن نعتقد أن هذه الأعمدة والأبراج ثابتة..
ولكن إذا عمقنا النظر فيها بنظرة ثابتة نراها تتحرك؛ لذلك انتباهي دائما موجه إلى المساحة الأفقية والعمودية، كما هو الحال في مشاريعي الفنية السابقة «النافذة» و«الاتجاهات»، فهذه الأعمدة الكهربائية المصنوعة من الحديد.. الألمنيوم أو أية مادة صناعية أخرى.. نشاهدها في بعض الأحيان وفي بعض الفضاءات مختلفة بصرياً وراء شجرة أو نبتة،
الأمر الذي يوجب علينا أن نتذكر بأن جميع المواد الصناعية أسسها وجوهرها هو مواد عضوية قامت المصانع والعلوم الصناعية بتحولها إلى مواد يستخدمها الإنسان حسب رغبته واحتياجاته، فمثلا «الأعمدة الكهربائية» تنير الشوارع، والأبراج أو«الصواري» التي وظيفتها هي إخراج المعادن من قيعان الأراضي،
ويجب علينا أن ندرك بأن هناك معادن نفيسة ومعادن أخرى خسيسة، بين هاتين المادتين الفضاء الايجابي والسلبي «يعمل إدراكي» البصري والفكري.. فمثلا الشجرة تمتلك فضاء رأسياً «عمودياً» وفي نفس الوقت فضاء أرضيا «أفقيا» وهناك فضاءات تحت خط الأفق مثل فضاء قيعان البحار والمحيطات وأعماق الأراضي «العمق الجيولوجي»..
دبي ـ سامي نيال
