اختتمت ندوة «المتعالق بين الخطاط والفنان» أعمالها في دار الندوة بالشارقة صباح أمس بعرض ثلاث تجارب متباينة لكل من الفنان الإماراتي د. صلاح شيرزاد، والفنان السوري خالد الساعي، والمخرج العراقي قاسم محمد.

ومصدر تباينها كان من حيث استخدامات الحرف ودلالاته وتجريده، والأجواء التي يتم فيها التعامل مع هذا الحرف والقاسم المشترك بين معظم أعمال الفنانين تأصيل هذا الفن والاستمرار في تطوير التجارب من جهة وتجويد الكتابة من جهة ثانية..

وتناول هذه التجارب كل من الدكتور الحبيب بيده، والباحث والناقد عمران القيسي، والناقد محمد الجزائري ومنسق الندوة الناقد خلال معلا الذي مهد للندوة بحديثه عن علاقة النقد بالتجارب الفنية ودور النقد في حل إشكالية تلك التجارب التي تعتمد على خبرة الذاكرة والصلة بالماضي، موضحاً أن بعض تلك التجارب حاولت أن تستند إلى إرث بصري ماضوي لكنها بقيت عاجزة عن مواكبة الحداثة.

وتطرق معلا إلى إشكالية الحروفية، والخلاف حتى بين الحروفيين أنفسهم، وعدم وعيهم للتاريخ أو تفكيكه، وعدم معرفة جيل منهم للأجيال السابقة مما أضعف التراكم التاريخي، إضافة إلى أن الحروفيين لم يستفيدوا من التنظير النقدي وظلوا أسيري الهوية والمقدس والعقيدة. وأكد معلا ان النقد هو الوحيد الذي يمتلك الأسس العقلية لمناقشة إشكاليات التجارب الحروفية.

تجويد وتجريد

بكل تواضع وحيادية تحدث الدكتور صلاح شيرزاد عن مراحل تجربته الثلاث، موضحاً أنها لم تكن في زمن متتابع لكنها شكلت ثلاث تجارب مستقلة، كانت الأولى في تجويد الحروف والمقاطع وتنفيذها على النمط الكلاسيكي،

معتمداً على الثلث والجلي الديواني مع بعض الزخارف ضمن شكل اعتيادي لا يوحي بأي مفهوم أو أية فكرة، وهو بذلك يركز على إحسان الاختيار والشغل على رصف النص على المساحة دون ترك فراغ يسبب خللاً في التكوين الكلي للوحة.

المرحلة الثانية هي بداية الاعتماد على التشكيل البصري لكن ضمن علاقة الكلمة بمعناها، ومحاولة الخروج من القاعدة المألوفة في الكتابة وحضور للتناظر والشغل على دقة التكوينات، ضارباً على ذلك الكثير من الأمثلة، أكان من نصوص قرآنية أو شعرية.

وفي هذه المرحلة ـ يضيف د. صلاح ـ ثمة شغل على خروج الحروف بكراً كما هي، ضربات حرة، والخروج عن المألوف في ربط المضمون بالشكل، كما في لوحة «قل هو الله أحد» والشغل على الألف كحرف واحد مرتبط بالوحدانية، وكذلك وجود شفافية لونية في لوحات ترتبط بالدعاء، وهي كمضمون تدل على شفافية الإنسان حين يقف أمام ربه.

المرحلة الثالثة يبدأ فيها د. صلاح في التعامل مع الحروف كشخوص فاللوحة عناصرها من الطبيعة وفيها الحروف تمثل هذه العناصر ألحانا من حيث حجمها أو سماكة خطها أو لونها، وبذلك نتوزع في حوارات وتتمظهر في أشكال وصور وشخوص هامشية ورئيسية وهكذا.

تجربة قاسم محمد المثيرة فاجأت الندوة من حيث عمقها ودلالاتها والشغل على تأصيلها من جهة، ومن حيث ربط الحروف بالجدار في عمق الخشبة وبالسينوغرافيا وبالأشكال والثياب وحتى بالأجساد المتحركة على المسرح،

جسدها حداد في مسرحية «مدونات المنشود بين المفقود والموجود» التي تبحث في أزمة الإنسان ووجوده عبر الزمان والمكان، وإنتاج المعاناة الإنسانية والإنطاق والتنطيق، زمان ينطق زماناً ومكان ينطق مكاناً وإبداع ينطق إبداعا.. وهكذا من أبي حيان التوحيدي الذي عاش 104 سنوات في ظل الاستعمار «البويهي» الذي استمر 125 سنة.

من بغداد أبي حبان التوحيدي إلى بغداد الآن على خشبة المسرح الوطني في الجزائر وعبر اشتغال متكامل على الحرف كحرف والكلمة كمجموعة حروف والدلالات اللغوية والإشارات والإيمان في ظل ملحمة من المنمنمات والمدونات تأصل للحرف كما تأصل لمعاناة الإنسانية والخلق والإبداع.

الفنان خالد الساعي من سوريا قدم نماذج من تجربتين متداخلتين من حيث الجنوح نحو التجريد والاشتغال على اللون متكئاً على الشعر كمفهوم وخاصة في التجارب الشعرية الصوفية، وإن كانت أغلب اللوحات لا تقدم للمشاهد قراءة واضحة لتلك الاختيارات إلا أن ثمة روحانية وشفافية وامتشاقات تضفي بعداً بصرياً على تلك الحروف وتداخلها، أكان من الجرس الصوتي للحرف وما يعطيه من حركات أم من التماشي مع روح النص.

ويشتغل الساعي بالثلث والديواني الجلي، كمصدر كالقوة والثبات عند الأول، والمرونة والزخرف عند الثاني، مع الاعتماد بشكل دائم في أغلب اللوحات على اللون الأصفر كخلفية والبني كلون مندرج للحروف ضمن تداخل للضوء والظل يمنح الحروف انكعاسات متتالية على مرايا خفية، مركزاً على حرف دون الآخر ضمن نصوص صوفية لابن الفارض والحلاج.

التجربة الثانية مختلفة من حيث اللون والتشكيل، وتجريد الحروف لاستثمار طاقتها الشكلية أكثر من الاعتماد على دلالاتها اللغوية في ظل حوارات بين الحروف ووشفافية ورقص لوني حركي، إضافة لمحاكاة الطبيعة ومحاولة وربط المقامين بالأشكال المجردة.

بعد استعراض تجربة للفنان البحريني إبراهيم سعد، كانت قد استعرضت دون وجوده في اليوم الأول، والنقاش حول دمجه الرسم بالحروف بعيداً عن أي قواعد وأصول التشكيل في الخط، واعتماده على نصوص شعرية لأبي فراس الحمداني والسياب وغيره

ورسم تلك النصوص مع إضافة لوحات حروفية للوحة منقلة عنها، بعد ذلك رأى الناقد القيسي أن تجربة إبراهيم سعد امتداد لتجارب عراقية سابقة مع محافظته على أصول هذه التجارب وتطويرها، مؤكداً أن ثمة حروفية تعبيرية إضافة للحروفية النصية.

وفيما يتعلق بقاسم حداد قال القبيسي إن حداد فنان تشكيلي أيضاً، واستطاع من خلال تعامله مع الحرف في الاكسسوارات والخلفيات والملابس والأجساد أن يخلق قوساً بين المسرح لغوياً والمسرح بصرياً.

ورأى في أعمال خالد الساعي تحميلاً للخلفيات أكبر من اللوحة وحركة الحروف المتداخلة تأويل تشكيلي وتحويل للحرف إلى إشارات وحركات قد يعطي مكوناً مستقبلاً على الفنان والمتلقي، ضارباً المثل بلوحة «منطق الطير» التي لا يمكن لأي مشاهد لم يقرأ للمتصوفة أن يفهمها كما شرحها صاحبها الساعي.

د. الحبيب بيده تحدث عن العمل الفني وكيفية صنعه للمعرفة ورأى في التعبيرية الرمزية والاتكاء على الصوفية كحامل للذات، إشكالية تؤدي إلى نزاعات واختلافات. كما تطرق إلى إمكانية الخط المقروء وغير المقروء، وعلاقة المعنى بالعلامات والإشارات الحروفية مشيراً إلى تجربة الدكتور صلاح شيرزاد وموضوعيته وتعامله مع حدود الحرف الذي يحمل المعنى رغم الشكل الرمزي للتكوين.

ورأى في تجربة الساعي قوة بصرية حين يتجرد الخط من المعنى وتختفي بالتالي القصيدة الصوفية لتعطي للمشاهد قصيدة بصرية، بينما إبراهيم بوسعد فيجاوز بين الشكل الصوري والخطي، ويواشج العلاقة بين اللغة الصورية والكتابة على المستوى المعنوي ضمن ثقافة شعرية وقراءة للعمل الفني.

وتضمنت النقاشات مداخلات من الحضور ومداخلة من الناقد محمد الجزائري تحدث فيها عن تجربة قاسم حداد واشتغاله على تأصيل الحرف كلغة واللغة كمسرح بدءاً من رسالة الطير لابن سينا ومروراً بكتابات على الجسد ومقامات الحريري وبغداد الأزل بين الجد والهزل، وانتهاء بمسرحيته الجديدة التي ستؤسس بدورها لمسرحيات ومسرحيات.

الشارقة ـ محمود أبوحامد