يامطرة، رخي، رخي..
هيا نركض تحت رذاذ المطر..
هيا نطلق النفس الحبيسة من عقالها، نذوب في الكائنات، ننتشي بنقاء الروح وصفاء النفس، نفرغ شحنات الحزن من تحت الضلوع. لم يحدث أن ملك الدنيا.. إنسان. نحن بشر، لن نملك شيئا من حطام الدنيا!!.
يامطرة، رخي، رخي..
زخات المطر، تساقطت من سحابات حبلى بالخير والخصب والنماء. الرذاذ الخفيف المستمر في التساقط، بلل الشوارع الأسفلتية الواسعة: المارة والمركبات والبنايات. التمعت الأرصفة المصبوغة باللونين: الأسود والأبيض. البنايات الضخمة القديمة المهيبة، عاد إليها شيء من زمن الحسن والبهاء المنقرض !!.
أسرعت في السير، هربا من البلل. في محاولة للاحتماء بجوار البنايات العالية. توقفت أسفل إحدى المظلات الواقية الممتدة أمام مداخل المحال التجارية. لم أفكر أن انفض البلل عن ملابسي الصوفية الثقيلة.. يا أيام الطفولة البريئة عودي:
يامطرة، رخي، رخي.. .
على قرعة بنت أختي..
بنت أختي، قرعة، قرعة.
اهتز سعف النخيل الملوكي الذي يقف في طابور طويل قرب شاطئ البحر الهائج. تطلعت حواليّ.. أمامي وعلى مقربة مني، التمثال المعدني الواقف في شموخ وسط الميدان الكبير، بدأ يلتمع، القطرات أزالت الغبار الذي يتراكم ـ دوما ـ عليه طوال فصل الصيف، وسنوات النسيان والجحود !!
التمثال مازال واقفا في شموخه ـ مذ رأيته لأول مرة في زمن البراءة والطفولة البعيدة ـ مازال ينظر ناحية البحر. لماذا ينظر نحو البحر ؟! إلى الميناء الشرقي.. هناك على مسافة غير بعيدة، تنام القوارب الصغيرة على الساحل الرملي.
في الطفولة البعيدة، لم أجد الإجابة الشافية على سؤالي: لماذا ينظر التمثال نحو البحر ؟!. وداخل البحر تبدو السلسلة من الصخور الممتدة داخل المياه الزرقاء. وفي البعيد استقرت عيناي على القلعة الأثرية البيضاء، تبرق بعد أن غسلتها زخات المطر..
ومازال التمثال حتى الآن ينظر نحو البحر، مشيرا بإصبعه ناحية المياه، مشيرا إلى شيء ما غير محدد المعالم.. ربما ما وراء حدود أبصارنا الكليلة العاجزة عن اكتشاف ما وراء ذلك البحر الشاسع الهائج!!. يامطرة، رخي، رخي..
على قرعة بنت أختي..
قالت حبيبتي والرذاذ يتساقط: هيا نترك المكان، ونركض تحت المطر. نظرت إليها في إندهاشة من هذا الطلب الغريب. نترك المكان الذي نحتمي فيه ؟!. واصلت حديثها بعذوبة قائلة: منذ متى لم يغمرني المطر ؟
دوما كنا نرتحل عن مدينتنا شتاء ونعود إليها صيفا. لم أرتو بماء المطر. لم أضّمخ شعري بمطر المدينة التي أحببتها. لم أرغب في مفارقتها عندما بدأ زمن الغربة والترحال.. بعيدا عن شاطئ الهوى.. يا دنيا الهوى والمطر !!.
كنت أقف حائرا أمام هذا الإصرار القوي للسير تحت رذاذ المطر. تحت السحب الرائعة. تحت مياه الطهر والعفاف التي بدأت تتساقط على مدينتي منذ الصباح الباكر الحنون، وحاصرتنا وسط الميدان وعلى مقربة من التمثال وظهرينا للفندق القديم العتيق، الذي يشع من داخله الدفء والنغمات وعبق الأيام وأحداث التاريخ المنصرم الهارب وراء البحار..
على مقربة منا الترام يتحرك بصوت مزعج لا ينقطع، وحبات المطر تبدو واضحة على زجاج نوافذ الترام الواسعة والوجوه المتعبة في الداخل وهي تتطلع إلينا، ملتصقة في زجاج النوافذ في بلادة. مازالت نظراتي تتجول بين البنايات والشوارع والميدان الكبير.. هنا مسرح أحداث رائعة نجيب محفوظ ـ ميرمار ـ وزهرة وعامر وجدي وسرحان البحيري وزهدي علام وبائع الصحف.
في الصيف يأتي الزوار ليقضوا معظم الوقت ـ مساء ـ على مقاعد الحديقة المحيطة حول التمثال المغبر بالسخام والتراب ومخلفات المركبات، بينما هم ـ عكروا البحر ـ بإزالة الغبار والعرق الملتصق بأجسادهم على شاطئ الهوى !!. هيه.. يا حبيبتي..
يامطرة، رخي، رخي..
على قرعة بنت أختي..