لكي تكون نهراَ... عليك أن تجاور نهراَ. هكذا ولد عبد السلام العجيلي وهكذا عاش وهكذا مات. وكأن الرقة ومنذ قرن.. أعلنت أنها لن تكتفي بالفرات وحده ليروي ظمأها... فابتدعت من مخيلتها المتباينة، مخيلة الخصب الذي يجاور البرية واليباب... ابنا لها..
لتباري به فراتها المقدس الذي يخاله الظامئ والمتيم وكأنه نهر يتحدّر من السماء، وقد أخلص العجيلي للأمانة التي حمّلته إياها الرقة (الرفيقة ـ الرافقة) فنهض ليبشر بخصال الماء والنماء والخصب رغم عشق الصحراء، وكان صاحب العين التي تلمح كل زائل من الكائن والمكان.. في محاولة منه لتحويله إلى حكاية أو صورة أو نص، وكأنه بذلك يحاول أن يعيده ثانية للحياة.
وقد استطاعت الرقة منذ عقود بسبب ما فيها من حراك ثقافي واجتماعي ناهيك عن السياسي.. أن تتحول إلى عاصمة للقصة القصيرة في سورية خلال السبعينات وحتى التسعينات، ولعل شرارة هذا التحول تبدّت بظهور قصص العجيلي الذي تمكن بفضل جبلّته ومثابرته أن يؤسس ملامح السرد التقليدي ودعائمه في سوريا من قصة ورواية..
متصدياً لصياغة البواكير الحكائية الفنية لهذا السرد مجترحاَ الوظائف والملامح والموضوعات، التي تفتن المتلقي وتثير انتباهه وإعجابه، تدفع سواه لمجاراته فيه، وكان العجيلي الراحل ذا حضور مؤثر، وحركة وعلاقات ومعارف واضطراب في الأرض واتصال بالعواصم ـ في الوقت الذي ظهرت فيه مؤلفات العجيلي وانتشرت وترسخت عبرها
ومن خلالها ملامح السرد التقليدي بدأت بشائر الحداثة ونذرها تطل برأسها على وجل واستحياء وبدأ القراء والمشتغلون في الأدب يتنسمون هذه الروح الجديدة عبر كتابات وليد خلاصي وآخرين غيره، وكانت حداثة الاخلاصي حداثة من النوع الرهيف اللين.. ولم تكن من الحداثات التي تطالب بدوال المدارس واندحار الأجناس والأساليب السائدة،
وكانت العلاقة وديّة وطيبة بين الرجلين.. ولم يكن يحس أحدهما بأنه يهدد الآخر وإنما يساهم معه في تلوين المشهد الإبداعي في سوريا وإثرائه ومن خلالهما ترسخ مشهد السرد والقص وتجزر ولم تكن بوادر العاصفة قد ظهرت بعد إلا بظهور تيارين سياسيين وثقافيين هائلين..
هزّا أركان حياة الانتلجنسيا السورية وأعادا تشكيل ملامحها. هذان التياران هما تيار (الماركسية) المكتفية بذاتها ومعتقداتها والناظرة بحزم واستعلاء وخصومة إلى ما عداها، وتيار (الوجودية) المتحالف مع (الفرويدية) وطرائقها ومفاتيحها التي تصدت لكشف عورة النفس والتصدي للمخبوء والمستور في تضاعيفها، وكان لظهور هذين التيارين أصداء وزوابع..
وقد شكلت بيئة الرقة المتباينة حيث الماء يجاور الصحراء، ومناخاَ ملائماَ لوجود هذين التيارين.. وكان اشد المتلقفين لهذين التيارين وأكثرهم ضراوة الأدباء الشبان في الرقة.. الذين وجدوا في حضور العجيلي ومكانته وقامته تهديداَ لهم،
ورغبة منهم في ترسيخ حضورهم وتأثيرهم، اندفعوا لتشكيل ما يسمى بجماعة ( ثورة الحرف ) وقد انتظم في سلك هذه الجماعة مجموعة من الأسماء اللامعة في أيامنا وهم.. عبد الله أبو هيف، وإبراهيم الخليل وإبراهيم الجرادي، والمرحوم رشيد رمضان، وخليل جاسم الحميدي، وآخرون.
لقد حاولت جماعة ثورة الحرف أن تنقلب على كل ما هو تقليدي في الكتابة والسرد، وكان في مقدمة هؤلاء.. عبد السلام العجيلي واضعة نصب أعين أفرادها ليس الانقضاض على الأساليب القديمة في التعبير فحسب، وإنما على كافة التشكيلات الطبقية التي صدرت عنها،
وبذلك تشكلت في الساحة الثقافية والإبداعية في سوريا عموماَ وفي مدينة الرقة خصوصاَ، وفي ساحة الإبداع القصصي تحديداَ، بوادر مواجهه وكان طرفا هذه المواجهة.. عبد السلام العجيلي كممثل للتيار التقليدي من جهة وجماعة ثورة الحرف كممثلين للتجديد والتحديث والتغيير من جهات متعددة.
وهكذا وجد الأدب الروحي للقصة والرواية في الرقة نفسه طرفاَ في معركة لم يعدد نفسه لها.. ولم يكن يرغب في خوضها غير أن الخصوم أمعنوا في شنها والتشهير بصاحبها، وطرفها الأكثر تجذرا وحضوراَ وتم في هذه المواجهة تحويل عبد السلام العجيلي إلى إسماعيل.. (كبش فداء) لها..
واتخذ الشباب المتحمسون والعقائد ون قراراَ مبرماَ بالتضحية بالعجيلي على محرقة هذه المعركة ليس تصديقاَ لنبوءة وإنما تأكيداَ على خلاف وتباين ومغيره. وهكذا وبقصد أو من دونه، امتلأت ساحة الأدب في سورية وبقية بلاد العرب.. بأصداء هذا الصراع وبدأ الحراك الثقافي اللاهب.. يذّر بقرنيه على الصفحات الأدبية السورية منها خاصة وبسبب هذا الصراع تحولت الرقة ليس لعاصمة للقصة السورية فحسب..
وإنما عاصمة لضحاياها.. ليس لأن المعارك كانت لافحة، ولكن لأن أطرافها كانوا على جدارة وموهبة، وكانت الحماسة والبحث عن أضحية عظيمة هما القصد والغاية ومما أجج إدارة هذه المواجهات.. ظهور حليف نقدي لثورة الحرف.. تحت اسم النقد الأيديولوجي... حيث ظهر كتاب (الأدب الايديولوجيا) بوصفه أعلى تجليات هذه الحرب، وأكثرها إراقة للدماء.
وقد انشغل مؤلفا الكتاب..بالمنشأ الطبقي للأديب ولم ينشغلا بإبداعه وعلى ذلك صار عبد السلام العجيلي ممثلاَ للأدب الإقطاعي المدحور.. ووليد إخلاصي ممثلاَ للأدب البرجوازي البغيض دون الانتباه إلى الحقائق التي أكدها التاريخ..هذه الحقائق التي برز من خلالها أدباء المرحلة الإقطاعية في روسيا كدستويفسكي وليدمنوف وتولستوي.
وأدباء الواقعة الفرنسية كـ (بلزاك ـ وزولا وفلوبير) كأعظم أدباء أوربا الذين عجزت الاشتراكية في ذروة انتصاراتها والبرجوازية في أبرز تجلياتها عن ولادة أدباء في مكانة هؤلاء الأدباء الإقطاعيين وشأوهم، -ورغم هذه المعارك الطاحنة فقد نهض الأديب العجيلي رغم جراحاته مطوحاَ بالسكين دون أن يسلها لينال بها من أحد أبنائه الغاضبين،
وهكذا وبعد أن اتسعت الرؤيا وهدأ أوار المعركة نظر الأبناء إلى الشيخ الجليل فوجدوا فيه أباَ محباَ كما هو إبراهيم، فهرعوا نحوه واحتموا تحت جناحيه كما يفعل الأولاد بعد ضياع وتغرب وحنين، وهاهم الأبناء ذاتهم يحتفون في كل مناسبة بالعجيلي الرائد الذي ينساب بين عيونه قرائه ومحبيه كنهر جليل
وقد قالوا كلمتهم فيه..لم تكن أيها العجيلي وقوداَ لمعركتنا وإنما كنت الشعلة التي منحتنا الضوء لتنهض وتعيش فلا تمت..لا تمت يا عجيلي.. وان فعلت..فستظل بين ظهرانينا حياَ مثل ماء زلال وحلم عظيم
محمد أبو معتوق
ـ أديب وكاتب درامي سوري
