تواصلت لليوم الثاني على التوالي أعمال الندوة التداولية «المتعالق بين الخطاط والفنان» صباح أمس في دار الندوة بالشارقة، وكان محور اليوم الثاني ورقة الدكتور الحبيب بيده من تونس، جاءت تحت عنوان «هجرة الخط العربي عبر النبطي التشكيلي من الواقع الدلالي إلى الواقع الجمالي، تتناول فيها تطور الخط عبر التاريخ من خط دلالي بسيط إلى خط دلالي جمالي، كالنقوش والسجاد والمعلقات وغيرها.
ويرى د. الحبيب أن هذه الهجرة إما جاءت كرد فعل على سيطرة الفن الغربي والبحث عن خصوصية عربية إسلامية أو هجرته إلى اللوحة، مشيراً إلى أن كل ذلك بمحاكاة الضيعة وعلاقة الخط بالهندسة وبالتشكيل، مستنداً بذلك على دراسات ومقولات لمفكرين وباحثين وفلاسفة عرب وغربيين.
وتبعاً لكون الخط ابتكارا تطول على مهل، وتوثق بأجمل صورة الأولى في القرآن الكريم، فهل تطوره في بداياته جاء كفن تجريدي أم من خوف المسلمين من الصورة المحاكية لصور الطبيعة أم هو فن قائم على محاكاة الطبيعة أساساً؟
يقول د. الحبيب ان ثمة آلية للخلق عن طريق الوسائط، ومن خلال علاقة العقل بالنفس والنفس بالخلق وإيجاد وتطوير الكثير مما هو كائن، فإن الخط العربي من الفنون التي اعتمدت على محاكاة الطبيعة، وبالتالي هو فن تطور بإرادة وليس كتحصيل حاصل، ويؤكد أن هذا البحث هو المسألة التي يجب أن تطغى مقوماتها على كل حديث جديد، والحديث في لغتنا العربية بطبعه جديد.
ويرى د. الحبيب أن العلاقة بين الفنان العربي بمفهومه الحديث والخط العربي كممارسة قديمة حديثة وفي نسيج البحث عن تحقيق هذه المعادلة الصعبة كانت كائنة كوناً جميلاً رغم بعض الشوائب الشكلية التي لوثتها نتيجة الاستسهال والابتذال، إذ إلى جانب المبدعين الذين تعاملوا مع العلامة الخطية تعاملاً عميقاً ومنتجاً للمعرفة التشكيلية والجمالية نجد استسهالاً من الأشياء التي يدعي أصاحبها تعاطفهم مع هذه العلامة
في حين أن هذا التعاطف لا يعدو كونه تحولا من موضع بحث إبداعي إلى موضع تكرار واجترار «ماضوي» وبالتالي أصبح الحرف العربي من حيث هو علامة في متناول كل من هب ودب، يفعل به ما يشاء وكيفما يشاء..
ولو سألت هؤلاء المستسهلين عن قصدهم وعن دواعي بحثهم وعن الخصائص التي يبحثون منها وفيها وعنها لظفرنا بجواب يتمثل في كونهم يعبرون عن انتماء ميتافيزيقي للحضارة العربية الإسلامية، وهو كلام أيديولوجي لا يتجاوز المعنى الزئبقي لهذا الانتماء في حين أن الفن هو إبداع للمعنى قبل أن يكون تعبيراً عنه.
تجارب وحوارات
كما ضمت الندوة في يومها الثاني عرض تجربتين للفنانين وسام حداد من العراق وتاج السر حسن من السودان، وعقب على التجربتين منسق الندوة طلال معلا والباحث عمران القيسي والدكتور الحبيب بيده.
ورأى القيسي ان ثمة ملاحظة في اعمال الفنانين العراقيين وهي الجنوح نحو نوع من المقامات المتداخلة والتقسيم الشكلي، وأضاف في تعقيبه على تجربة حداد ان الوحدات بقدر ما هي متداخلة هي مستقلة والبناء اعتمد على تميزه باللون بالدرجة الأولى،
وثمة رائحة للطين في كل الاعمال.. ومع ان حداد يقترب من الجداريات البابلية والسومرية إلا ان عليه التعمق أكثر في التجربة وتأصيل المفردات بدلا من استخدام التذهيب «التشابيه» في عاشوراء. من جهته رأى الدكتور بيده ان ثمة نزوحا نحو الشكلانية في اعمال حداد، وتساءل هل الحروفية نابعة أساساً من رغبة أم من حاجة أم شعور داخلي وتحد أم هي تجربة شكلانية بصرية بحتة؟
ومن ثم تحدث تاج السر عن تجربته وعلاقة الرسم والفن التشكيلي بتجربته في الخط، وانتقاله من الخط الكلاسيكي إلى التجربة الحروفية وتناول حسا تماذج من اعماله يتكئ على النص الشعري أو القرآني موضحاً أن ثمة علاقة بين المضامين وحركة الحروف وآلية خطها
وبعد ذلك تناول نماذج من اعماله المتداخلة بين خطين كالتعليق والديواني، وتأثره بالخط المغربي ومن ثم انتقاله إلى اللون وحركة اللون مع لون الحروف الاساسية وجنوحه نحو التجريد والتجريب. وبعد ذلك استعرض الفنان تاج السر تجربة للفنان السوداني حسن موسى،
وتحدث عن شغله ما يربو على العشرين كتاباً للأطفال من خلال الرسم بالخط العربي أكان للحيوانات أو للمرأة مجسدة في حكايات شهرزاد.ودارت نقاشات عن الحروفية والفن والتشكيل والرسم، وهل الحرف العربي مأزق له علاقة باشكالية تطوره وصرامة قواعده أم ثمة اشكالية في الفن العربي عامة؟
الشارقة ـ محمود أبوحامد
